المقالات

الهروب من المعركة: قراءة أخلاقية في انسحاب الإمارات وهروب الزبيدي

لم تكن لحظة انسحاب الإمارات من اليمن خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة حدثًا عسكريًا عابرًا، ولا قرارًا تكتيكيًا فرضته ظروف الميدان، بل كانت لحظة كشف تاريخية، سقط فيها القناع السياسي، وانكشفت حقيقة المشروع الذي طالما قُدّم بوصفه شراكة، فإذا به ينتهي انسحابًا، وهروبًا، وتركًا للمسؤولية.

المتأمل في صمود المملكة العربية السعودية ووقوفها إلى جانب اليمن الشقيق عبر قوات التحالف وقوات درع الوطن، يدرك أن ما يحرك الرياض ليس حسابات الربح والخسارة، بل وجود قضية سيادية حقيقية تدافع عنها، واستجابة مباشرة لطلب الشرعية اليمنية، واحترام صارم لمبدأ الدولة والقرار الوطني.

ولهذا لم تتقدّم قوات التحالف خطوة واحدة إلا بموافقة الرئاسة اليمنية، ولم تغيّر السعودية نهجها منذ اليوم الأول، رغم التضحيات البشرية والمادية، لأن من يحمل قضية لا يتركها عند أول اختبار.

في المقابل، جاء الانسحاب الإماراتي السريع ليؤكد أن الوجود لم يكن وجود قضية، بل وجود مشروع.
وحين انكشف المشروع… سقط الغطاء.

لم تضحي الإمارات كما ضحّت السعودية، ولم تقدّم تضحيات تجعلها تتمسك بالبقاء، بل كانت قناعتها التامة أن وجودها المشبوه قد انكشف أمام العالم، لا سيما بعد حادثة تهريب السلاح والقنابل عبر سفينتي ميناء المكلا، وما تبعها من سقوط سياسي وأخلاقي مدوٍ.

ولم يكن انسحاب الإمارات سوى المقدّمة الطبيعية لهروب عيدروس الزبيدي من اليمن إلى الصومال ثم إلى أبوظبي، تاركًا أنصاره في الميدان يواجهون النار وحدهم، بعدما اكتشف المغرر بهم أنهم كانوا وقودًا لمشروع لم يكن مستعدًا للدفاع عنهم.

هذان الانسحابان – العسكري والسياسي – يؤكدان أنهما كانا على وفاقٍ تام، وأن المجلس الانتقالي لم يكن إلا أداة تُستخدم في حرب بالوكالة، لا مشروع دولة ولا قضية شعب.

الانسحاب خلال أقل من 24 ساعة، ثم الهروب، ثم ترك المغرر بهم يواجهون مصيرهم وحدهم…
هذا ليس مجرد قرار سياسي خاطئ،
بل انهيار كامل للمرجعية الأخلاقية لمشروع الدبيدي كله.

في علم الاجتماع السياسي تُسمّى هذه اللحظة: صدمة الانكشاف
وهي اللحظة التي يسقط فيها القناع، ويظهر الفارق بين الخطاب والواقع.

الناس لم تصدم لأنهم خسروا معركة،
بل صدموا لأنهم اكتشفوا أنهم كانوا وقودًا لمشروع لم يكن مستعدًا للدفاع عنهم.

كانت لحظة إدراك مؤلمة:
أن من هتفوا له… لم يهتف لهم.
وأن من وعدهم بالحماية… تركهم وحدهم.
وأن من رفع شعار القضية… باعها عند أول «مركب تهريب للصومال».

وهنا نتسائل
أيّهما أشرف؟
الخسارة في المعركة بشرف؟
أم الانسحاب وترك الشعب الذي قاتل معك يقاتل وحده؟

يقول سون تزو:
«القائد الحقيقي لا يهرب من ساحة المعركة، بل ينسحب حين يضمن سلامة جنوده».

وقال نابليون:
«القائد الذي يهرب يقتل معنويات جيشه أكثر مما يقتلهم العدو».

فالهروب لا يهزم جسد المعركة فقط، بل يهزم روحها.

في اليمن اليوم يتجسد نموذجان متناقضان:

نموذج دولة تقاتل دفاعًا عن الشرعية، وتتحمّل كلفة الحرب لأنها تحمل قضية.
ونموذج دولة تنسحب عند أول انكشاف لأنها لم تحمل سوى مشروع نفوذ.

السعودية قاتلت لأن اليمن بالنسبة لها قضية أمن قومي، وواجب أخلاقي، ومسؤولية تاريخية.
أما الإمارات فانكشفت لأنها لم ترَ في اليمن سوى ساحة نفوذ وموانئ وممرات.

وحين انتهت صلاحية المشروع… انتهى الوجود.

ختامًا

ما حدث لم يكن انسحابًا عسكريًا فحسب، بل سقوطًا أخلاقيًا لمشروعٍ كامل.

وما جرى لم يكن هروب شخص، بل انهيار سردية كاملة.

ستبقى الشعوب تذكر القادة الذين خسروا المعارك بشرف، ولا تذكر الهاربين إلا بوصفهم لحظة سقوط.

ففي ساعة الحقيقة… لا يبقى إلا من حمل القضية بصدق، ولا ينجو إلا من ثبت في الميدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى