المقالات

من العقيدة الأمنية إلى الاستراتيجية… دور الرياض في صون الأمن القومي العربي

يشهد الإقليم العربي مرحلة شديدة الحساسية تتسارع فيها المتغيرات وتتداخل فيها الأزمات وتتزايد فيها محاولات تقويض الاستقرار. وفي خضم هذا المشهد المعقد تبرز الحاجة إلى دول تتعامل مع التحديات بعقل الدولة لا بمنطق ردود الفعل وتقرأ المستقبل بوعي لا باندفاع.
في هذا السياق يظهر دور الرياض بوصفها عاصمة قرار عربي بنت سياساتها على عقيدة أمنية واضحة تحولت مع الوقت إلى استراتيجية شاملة هدفها حماية الأمن القومي العربي وصون استقرار الدول ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التفكك والفوضى.
منذ تأسيس المملكة العربية السعودية لم تكن سياستها قائمة على المغامرة أو البحث عن الصدام بل انطلقت من مبدأ ثابت مفاده أن أمن الإقليم العربي وحدة واحدة وأن أي شرخ في دولة عربية يشكل تهديدا مباشرا لبقية الدول. ولهذا ارتبطت العقيدة الأمنية السعودية بفكرة حماية الدولة الوطنية والحفاظ على تماسك المجتمعات ومنع تفكك الجغرافيا العربية.
العقيدة الأمنية في الرياض لم تتشكل كرد فعل للأحداث بل جاءت نتيجة قراءة عميقة لطبيعة المنطقة وتاريخها وتعقيداتها السياسية والاجتماعية. فهي عقيدة تقوم على الوقاية قبل المواجهة وعلى الاحتواء قبل التصعيد وعلى معالجة جذور الأزمات لا الاكتفاء بإدارة نتائجها. ومن هذا الفهم انتقلت الرياض من العقيدة إلى الاستراتيجية حيث أصبح الأمن جزءا من رؤية أشمل تشمل السياسة والتنمية والعمل العربي المشترك.
أما العقيدة العسكرية السعودية فقد بنيت بوصفها أداة حماية وردع لا وسيلة توسع أو فرض نفوذ. فهي قوة منضبطة تحكمها أهداف سياسية واضحة وتستخدم عند الضرورة لحماية الاستقرار ومنع الانهيار وتهيئة الظروف للحلول السياسية كلما أمكن. وفي المنظور السعودي تبقى القوة وسيلة أخيرة تفرضها المسؤولية لا خيارا دائما لإدارة الأزمات.
ويتجلى هذا النهج بوضوح في تعامل الرياض مع أزمات المنطقة وفي مقدمتها الأزمة اليمنية حيث لم تنظر السعودية إلى اليمن كجبهة قتال بل كعمق عربي وأمني وإنساني. وكان الهدف الأساس هو منع سقوط الدولة والحفاظ على وحدة القرار وحماية الأمن القومي العربي من تداعيات التفكك والانقسام.
وفي مرحلة التغير السريع التي يعيشها الإقليم بما تحمله من تحولات متوقعة وأخرى غير متوقعة أثبتت الرياض قدرة عالية على التكيف مع الواقع المتغير من دون التخلي عن ثوابتها. فهي تتحرك بهدوء وتحسب خطواتها بعناية وتوازن بين متطلبات الأمن وحسابات السياسة والبعد الإنساني.
ويأتي هذا التوازن مدعوما بقيادة تمتلك الحكمة والصبر وبعد النظر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبدعم ومتابعة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حيث تتكامل الرؤية الأمنية مع مشروع وطني وتنموي يدرك أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الداخل القوي ويمتد إلى محيط عربي متوازن.
وفي المقابل شهد الإقليم سياسات اختارت طريقا مختلفا قائما على تغذية الصراعات ودعم المسارات العسكرية وإضعاف فكرة الدولة الوطنية وهو ما أدى إلى تعميق الجراح العربية وتوسيع دوائر الفوضى وتحويل بعض الساحات إلى بؤر توتر دائمة. هذه السياسات لم تنتج أمنا مستداما بل راكمت الأزمات وأرهقت المجتمعات.
أما الرياض فقد بقيت ثابتة على قناعة واضحة مفادها أن قوة العرب في وحدتهم وأن أمنهم في تماسك دولهم وأن المستقبل لا يبنى بتفكيك الجغرافيا بل بإعادة ترميمها سياسيا وأمنيا واجتماعيا. ومن هنا جاءت استراتيجيتها الأمنية بوصفها سياسة توازن لا سياسة فرض ومشروع استقرار لا مشروع صراع.
في زمن تتعدد فيه التحديات وتتكشف فيه النوايا تبقى الرياض دولة عقيدة واستراتيجية تعرف متى تحمي بالقوة ومتى تعالج بالحكمة ومتى تصبر لأن بناء الأمن أصعب من هدمه لكنه الطريق الوحيد نحو أمن قومي عربي أكثر تماسكاً واستقراراً.

• باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

د. فواز كاسب العنزي

باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى