المقالات

حرامي حضرموت

اعتاد اللصوص أن يعملوا في الظلام، يختبئون خلف الأقنعة، ويتسللون في غفلة من الناس. لكن في اليمن ظهر نوع جديد من اللصوص؛ لصّ يعمل في وضح النهار، يتحدث باسم الوطن وهو ينهبه، ويرفع راية الشعب وهو يساوم عليه.

إنه لصّ الجغرافيا، ومقاول الفوضى، وتاجر الخرائط الممزقة.

اسمه عيدروس الزبيدي.

لم يسرق بيتًا ولا مالًا، بل حاول أن يسرق دولة بكاملها. لم يسطُ على متجر، بل خطط للاستيلاء على عدن ومحافظاتها، وعلى موانئها وثرواتها ومؤسساتها، متوهّمًا أن الجغرافيا تُختطف كما تُختطف المدن في زمن المليشيات، أو كما تُسرق الأشجار من سقطرى في زمن العبث بالسيادة.

كان المشروع واضحًا منذ اللحظة الأولى: تفكيك الدولة تحت لافتة الانفصال، وتمزيق الشرعية تحت شعار “استعادة الجنوب”، وتحويل المعاناة الشعبية إلى سلعة سياسية تُباع في أسواق الإقليم.

رفع شعارات عاطفية، ووزّع أوهامًا وطنية، وخاطب الناس بلهجة المظلومية، بينما كان في الحقيقة ينسج مشروعًا خاصًا لا علاقة له بالجنوب ولا بأهله ولا بتاريخه.

وحين انكشف المشهد، وسقط القناع، تبيّن أن القضية لم تكن “استعادة دولة”، بل صناعة دويلة وظيفية تخدم مشاريع خارج الحدود، وتفتح الموانئ لمن يدفع أكثر، وتسلم القرار السيادي لمن يملك النفوذ.

وعندما شعر أن الأرض لم تعد آمنة تحت قدميه، وأن حضرموت قالت كلمتها، وأن الرجال اختاروا الدولة لا المليشيا، غادر المشهد هاربًا، متنقلًا بين العواصم، يحمل معه مشروعًا فاشلًا وشرعية محترقة.

هرب من وطن حاول سرقته، وارتحل إلى حضن من صنعه أداة.

ففي السياسة، كما في التاريخ، لا يهرب إلا من يعرف أن مشروعه سقط، وأن أوراقه احترقت، وأن ساعة الحساب اقتربت.

إن ما جرى في حضرموت لم يكن مجرد مواجهة ميدانية، بل كان لحظة وعي وطني أسقطت مشروع التفكيك، وأعادت الاعتبار للدولة، وأكدت أن الجنوب ليس للبيع، وأن الجغرافيا ليست صفقة، وأن الشعوب لا تُختطف.

لقد حاول “حرامي حضرموت” أن يسرق وطنًا في وضح النهار، لكن إرادة اليمنيين، ودعم المملكة العربية السعودية، ووعي القبائل، أسقطوا المخطط، وأعادوا المعادلة إلى نصابها الطبيعي: دولة تحمي أرضها، وشعب يرفض الوصاية، وشرعية لا تُستبدل بمليشيا.

وفي النهاية، يبقى اللص لصًا…
حتى لو ارتدى بدلة السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى