«جواهريات ..»
شرّعوا الأفئدة .. واستقبلوا الوعظ مشافهة ثم تفكّرًا فاقتناعًا ويقينًا ،فالوعظ لمن اتعظ ، والخير يعرف طريقه ويصل لمن هم أهلٌ له ، مادامت الحياة قائمة سيظل الوعظ منهاجًا ، وما دامت الكلمة خالدة سيظل النصح تبيانًا . تخلّد الوعظ في قصيدة ( عنوان الحكم ) للشاعر أبو الفتح السبتي. ما أجلّها من أبيات! وما أعظمه من وعظ! يقول فيها:
وأرعِ سمعك أمثالاً أفصلها
كما يفصل ياقوتٌ ومرجان
وصفها بالياقوت والمرجان و والله إنها كذلك وأجلّ،
فيها عن الدين والدنيا والمال والناس والصحب والحياة وما تحوي، والإنسان وما يضمر، ثريّة بحرفها، مترفة بمعانيها، رصينة بسبكها، جليلة بوعظها، يلقى فيها المرء حياةً مصورة في أبيات،على أرضها اليقين الذي لا يساوره الشك، و حولها نسائم صدق التجربة وحذق العقل الحصيف، يأخذ المرء منها الحرف والوعظ بقلب متأمل وعقل متفكر.
ويأتي الحديث هنا عن أمر مهم جدًا، كيف للمرء أن يستفيد مما يقابل من وعظ سواء مقروء أو مشاهد أو مجرّب؟ كيف عليه أن يقرأ الحرف ويشرب زُلاله، ويروي حاله بتغييره إلى أفضل حال ؟ كيف يقرأ الحدث و يقوي عزم التغيير عنده ؟ من هنا يتبين أن هناك أمور يحتاجها كل يقظ للوصول إلى أفضل مما هو عليه، وأولها النية الصادقة بينه وبين قلبه الذي يتأمل ويتدبر ويتفكَّر، والسؤال الدائم هل من حالٍ أفضل مما أنا عليه الآن لأصل إليه وأرتدي بوردة المآل المرجو ؟فهو هاجس من أراد حياة أفضل ، وأيامًا أرحب وتغييرًا أنفع، وتأتي العزلة لتخبرنا أنها نديمة التفكّر ،نعم أقولها بكل ثقة، إنها العزلة يا كرام، فيها من عظيم الخير مافيها، فلا بأس لو اعتزل المرء محيطه يلملم شتات حاله، أو يقوّم اعوجاج خطبه، أو يزيد صلاح أحواله، فمن منّا لا يحتاج ذلك؟
اطلقوا زفير حالكم، واستقبلوا صفاء تغييركم، وتيقنوا أن الحياة تمضي وأحداثها لا تتوقف، فأوقفوا اللحظة، واكنفوها بصدق نواياكم، وأعيدوا حياكة أيامكم وأنتم تقرؤون أو تستمعون لأعذب أبيات أنصح بأخذ معانيها ومضامينها، واجعلوها في قلوبكم ضياء ، ولأيامكم بهاء. فقد قالها السبتي في ختامها :
خذها سوائر أمثال مهذبة
فيها لمن يبتغي التبيان تبيان.





