ضجر .. ملل .. آثار نفسية محطمة .. تساؤل عن الجدوى من الحياة .. انتقاص المرء من ذاته، باعتباره أنه لا يحقق امكاناته وقدراته .. يعيش مهملًا على هامش الحياة … كل ذلك وأكثر ما ذكره زهير الكرمي في كتابه( العلم ومشكلات الإنسان المعاصر ) .
كل هذه وغيرها أمور أمست سماء يستظلها قاطن وقت الفراغ، وأرضًا يفترشها ضياعًا بلا جدوى . عوالم الفراغ مفزعة بمجرد الحديث عنها ، هي آفة تقتلع الذات من جذورها رويدًا رويدًا ، وبلاء يترصد الشخص الذي استسلم له، وموت بطيء للروح يؤدي إلى اندثارها المضني بعد توهجها، فالمرء هنا يريد خيط نجاة مما يحيط به، ويكمن الأمان في التأمل لقوله تعالى ” فإذا فرغت فانصب ” جاء في تفسير ابن كثير أنه
قال مجاهد فِي هذه الأية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة، فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. يعني: فِي الدعاء.
وقال زيد بن أسلم، والضحاك: ﴿فإذا فرغت﴾ أي: من الجهاد ﴿فانصب﴾ أي: فِي العبادة
تأتي الآية الكريمة موضحة أهمية الخروج من عبادة إلى عبادة أخرى، فلا يفتر العبد عن لقاء ربه، بل يكون هذا نهج حياته مادام حيّا. وفي مجال العمل على الكيّس الفطن أن يخرج من عمل إلى عمل آخر دون الوقوع في مضيعة الفراغ وغياهبه، وكلها تحت مظلة شريعة الله وضوابطه، سواء كان أمرًا دينيا أو دنيويا، فالمغزى كله يهدف إلى أن يحيط المرء نفسه بما يرضي ربه ويبعده عن الفراغ ، ويعود عليه بالمنفعة دنيا ودين.
لابد الوقوف هنا على أمرٍ مهم، عندما نقول: يجب على المرء أن يُشغل وقته ولا يقع في فخ الفراغ .. ليس هذا الأمر منحصرًا في مواصلة العمل الجاد دون انقطاع، والمكابدة لإنهاء الأشغال ، من عمل إلى أعمال تحدب كاهل الروح قبل الجسد، بل الخروج بالذات إلى ترويحها ذهنيا وتسليتها نفسيًا بما يعود عليها بالنفع، وتنفس الراحة بما يثمر ؛ لأن هذا في حد ذاته عملٌ وتنفسٌ وتنفيسٌ يخلص العقل من فراغ ينهك التفكير وخيالات تأخذ بصاحبها إلى فضاءات لا مدى لها .
بل لو أنه _ على أقل تقدير _ لجأ للتأمل متكأ مستمتعًا لا يفعل شيئًا إلا أنه يرمق المدى، ويتحدث مع الذات ويحاورها في سرّه لكفاه لتصفية ذهنه المتعب ، وما أجمل أن يزاول الأشغال البسيطة التي تغمره سعادة ورضا !، ويحتسب وقت هذا الترويح عند الله أجرًا ففيه خير كثير.
المرء جليس روحه ويعلم جيدًا ما تحب وتهوى ، إذا كان في العمل منفعة، فالفراغ منه لفراغ فيه منفعة هو كذلك منفعة.
أتفهمُ أن المرء لا يحب المكوث طويلا في عمل ينهك أيامه وإن عادت له بالنفع، فلابد من وقتٍ تستهويه الروح وتتنفس الراحة فيما تحب؛ لأنني أُجزم أن المرء يحتاج لوقت فراغ لشحن طاقته،
ففي كل الأحوال الخيارات أمام الشخص والسبيل وضاء بفطنة صاحبه ، ما عمل من عمل يُعلي منه فهو عائد عليه بالنفع، وما عمل نقيض ذلك فهو من يجنيه.
إذًا .. تبصَّرْ مافي دواخلك .. تُبصر ما يتسامى بك.
0





