المقالات

​”عذوبة ظمأ”.. حين تترجم القصيدةُ انكسارَ الضوء إلى انبعاثِ الروح ​

*****
​تطل علينا الشاعرة وفاء الغامدي في نصها الجديد “عذوبة ظمأ” برؤية شعرية باذخة، تزاوج فيها بين رهافة الوجدان وجزالة اللفظ. النص ليس مجرد بوح عابر، بل هو رحلة لاستكشاف الصراع الإنساني الأزلي بين ألم الفقد وسكينة الرضا، حيث تعيد صياغة تجربة “الامتحان” الإنساني في قالب يتجاوز الانكسار نحو ضياء الفجر.
​المعجم اللغوي: غوص في لآلئ البيان
​أول ما يلفت القارئ في تجربة وفاء الغامدي هو ذلك الثراء المعجمي؛ فهي شاعرة تبدو وكأنها “تغرف من بحر” أصيل، لتستخرج لآلئ وصدفاً ثمينة تمنح النص متانة لغوية. يتجلى ذلك في اختيار مفردات موحية مثل (تزجي، منتعماً، وضـاءته، ديما)، حيث تضع كل لفظة في سياق يخدم المعنى الفلسفي العميق، مؤكدة أن “الشعور” هو المَعِين الأول الذي يُسقي القافية قبل كتابتها.

​استثمار المتن الصوفي:

الظمأ بوصفه ارتواءً
​يتجلى ذكاء الشاعرة في استثمارها الواعي لـ “المتن الصوفي” ورمزياته العميقة؛ فالظمأ هنا لا يُقرأ بمعناه الحسي الحرمان، بل بمعناه المعرفي التوق والتطهر. إنها تستحضر ثنائية “السكر والصحو” و”الاحتراق والانبثاق” حين تقول: “قد احترقت بنوري واشتعلت رؤى”. هذا الاحتراق ليس فناءً، بل هو “حلول” في حالة كشف جديدة جعلتها “أعيناً” لمن غشي بصرهم. كما أن استنطاقها لصوت الروح وهامسها في لحظات “العتمة” يعيدنا إلى أدبيات المناجاة الصوفية، حيث تضيق الدنيا لتتسع الرؤيا، ويتحول الحرمان إلى “عين الخير” والمنع إلى “عين العطاء”.

​فلسفة التحول: من العتمة إلى الضياء

​تتجلى القوة التصويرية في قدرة الشاعرة على استدعاء “النور” لمواجهة “العتمة”. وفي ذروة التمرد الشعري، يبرز البيت: “لكنني كنتُ فجراً من وضـاءته.. يومي بكفيه كيما يصفع الظلما”. هنا النور ليس حالة ساكنة، بل فعل مواجهة يجسد انتصار الإرادة على لحظات الضعف الإنساني، محولةً “الحزن” إلى “فأل ينتشي نغماً”. ولعل أجمل ما في القصيدة هو تلك القفزة الإيمانية التي تُخضع منطق الخسارة للحكمة الإلهية، في قولها: “مَا كُلَّ مَنْ رَام تحقيقاً لأمنية.. قد يجعل اللهُ كُلَّ الخير أن حَرَمَا”.

​آفاق للتجويد: نحو بصمة أكثر خصوصية

​ومع هذا التدفق الجمالي، يلحظ القارئ المتأمل فرصاً لمزيد من التجويد الفني الذي يتناسب مع تجربة الغامدي العميقة:
​الانتقال من التقريرية إلى الصورة: وصل النص إلى ذروة إدهاشه حين ترك الصورة تتحدث كما في بيت “الفجر”، وكان من الممكن رفع وتيرة هذا الوهج بالابتعاد عن الأبيات التقريرية المباشرة، مثل قولها: “هو الشعور معين الشعر منبعه”.
​ابتكار المفردة: رغم الرصانة اللغوية، إلا أن الشاعرة تمتلك أدوات تسمح لها باستبدال بعض القوالب الجاهزة مثل: “مر أسى” أو “تاهت مراكبهم” بصور أكثر ابتكاراً تعكس فرادة تجربتها الذاتية.
​توازن الإيقاع الصوتي: في شطر مثل: “ويمهم شاسع قَد غَيْبَ النُّجُمَا”، نلحظ كثافة صوتية قد تُربك الإيقاع الوجداني لدى بعض القراء مقارنة بسلاسة الأبيات السابقة، وهو ما يدعونا لترقب نصوصها القادمة بمزيد من الانسيابية.
​خاتمة: دعوة للاشتعال
​تختم الشاعرة قصيدتها بدعوة محفزة: “أوقد حروفك.. أسرج خيل فكرتها”، وكأنها تؤكد أن المسك الحقيقي لا يظهر إلا في الخواتيم الصادقة التي تحول الألم إلى وقود للإبداع.
​إننا بلا شك أمام تجربة شعرية ناضجة، تتجاوز حدود العاطفة المجردة لتلامس تخوم الفلسفة والحكمة. نص “عذوبة ظمأ” ليس إلا محطة تشي بميلاد صوت شعري رصين، وبأن جعبة وفاء الغامدي ما تزال تكتنز الكثير من الجمال الذي ننتظر انبثاقه في قادم الأعمال.
_______

خلف سرحان القرشي

مؤلف ومترجم ومدرب في الكاتبة الإبداعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى