المقالات

التوفيق بين المرونة والصرامة: الاعتدال في التربية

تظل معادلة التنشئة الأسرية، المتمثلة في تحقيق التوازن بين المرونة والحزم، هاجساً يؤرق قلب كل أم وأب. إنها معضلة وجودية في فن التربية، حيث يُحذر الخبراء من طرفي نقيض قد يهددان سلامة العلاقة الوالدية ونمو الطفل السوي. فالتربية القائمة على الشدة المفرطة والمتزمتة قد لا تُفضي إلى النتائج الإيجابية المرجوة، بل أظهرت الدراسات أنها قد تقود الطفل إلى الفشل الدراسي وتجعله يجنح إلى الالتجاء إلى الأقران بدلاً من ذويه طلباً للاحتواء، مما يعيق استقلاليته ويولد لديه التمرد والسلوكيات الناتجة عن الكتمان. وعلى النقيض تماماً، فإن التربية بأسلوب رخو جداً تمثل تنازلاً عن السلطة الوالدية، فتنتقل القوى إلى أيدي الأطفال، فتنقلب الأدوار وتعم الفوضى داخل العائلة.

الاعتدال و وجود الحدود الواضحة والقواعد هي الوصفة السحرية للتربية السليمة المتوازنة فقد أجمع خبراء علم الاجتماع والتربية على أن مفتاح الحل يكمن في “الاعتدال” والوسطية، وتجنب القسوة المبالغ فيها واللين المفرط. هذا الاعتدال هو ما يخلق المعادلة الصحية، ويتحقق عبر مزيج من الدفء والحزم المدروس. ويتمثل جوهر هذا المنهج في أولاً احتضان المشاعر و بالتالي إشعار الطفل بالدفء والاحتواء والأمان، وتجنب السخرية والتوبيخ أمام الآخرين، والابتعاد عن النقد اللاذع، واستبداله بالإرشاد المرن والهادئ. كذلك رسم الحدود الواضحة فقد أكد الخبراء أن “الحدود” هي الخط الفاصل الذي يرسمه الوالدان في العلاقة، محدداً صلاحيات كل طرف بناءً على اتصال وتواصل واضح. هذه الحدود يجب أن تكون متوازنة؛ لا رخوة مفككة تسمح للفوضى، ولا متزمتة تقضي على التواصل. وكذلك القدوة وتوصيل القيم من خلال القدوة الجيدة والتربية بالقدوة هي مما تعلمناه من تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. فمن الضروري أن يعلم النشأ المبادئ الشخصية والقيم التي يؤمن بها والداه ويلتزمان بها أمامه، لأن الأطفال يقلدون ما يرونه أكثر مما يسمعونه، وهذا ما يترك الأثر الأعمق.

هناك نصائح عملية لدعم الاستقلالية وتكييف الأسلوب لتطوير استقلالية الطفل، وهي أمر ضروري لنموه، حيث يجب أن يوفر له الوالدان المساحة والأدوات اللازمة لاستكشاف العالم بمسؤولية مع تقليل المخاطر، وينصح بضرورة الوضوح التام في الأوامر والتعليمات، مثل منع الضرب أو الركل أو مناداة الوالدين بإسمهما، وتحديد الأوقات المسموح بها لمشاهدة التلفزيون أو ألعاب الفيديو.

إضافة إلى ذلك، يجب أن تكون العلاقة داخل العائلة مدروسة ومتغيرة باستمرار مع نمو الطفل. فالأسلوب الذي يُناسب طفلاً تحت سن الخامسة، حيث تفرض البيئة والأنظمة من الوالدين بالكامل، يختلف جذرياً عن التعامل مع المراهق الذي يبحث عن استقلاليته ويسعى للاندماج مع أقرانه. في هذه المراحل المتقدمة، يجب على الوالدين الحرص على أن يكونا موجودين للإرشاد والتشجيع والضبط عند الحاجة، مع منح الطفل مساحته الخاصة ليشعر باستقلاليته. والأهم هو التركيز على جعل الطفل يرى كيف يمكن أن يُصلح خطأه بدلاً من سماع المحاضرات الطويلة، وبذلك يصبح الانضباط عادة وسلوكاً ذاتياً.

ختاماً، فإن التربية السليمة هي فن تشكيل شخصية جديدة عبر المراوحة الحكيمة بين الترغيب والترهيب، وبين الشدة واللين، وبين العقلانية والعاطفة، دون إفراط أو تفريط. إن توازن الأم كونها الأكثر التصاقا بالطفل واتفاق الوالدين في تنظيم شؤون العائلة هما العامل الرئيسي لتحقيق توازن أفراد جيل المستقبل، فالطفل أمانة، وحسن رعايته يحقق أصالة المعدن وفائدة التربية الصالحة.

• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى