يعتقد بعض الناس أن التراجع عن الخطأ عيب، وأن الاعتراف بالتقصير يقلل من الهيبة أو يمس المكانة، خاصة إذا كان الإنسان في منصب قيادي أو موقع مسؤولية. هذا الاعتقاد للأسف شائع، لكنه في الحقيقة فهم غير صحيح لمعنى القوة والشجاعة. فالتراجع عن الخطأ لا يعني ضعفًا، ولا انتقاصًا من الشخصية، بل هو منتهى الشجاعة ودليل واضح على الثقة بالنفس والنضج العقلي. فالإنسان الواثق من نفسه لا يخشى أن يقول: أخطأت، ولا يتردد في تصحيح مساره، لأنه يدرك أن الخطأ وارد، وأن العيب الحقيقي ليس في الوقوع فيه، وإنما في الإصرار عليه. والتراجع عن القرار يصبح أمرًا حتميًا عندما تكون هناك قرارات سابقة ألحقت ضررًا بالآخرين، أو سببت لهم قلقًا، أو مست أمنهم واستقرارهم. ففي مثل هذه الحالات، ومن باب الحكمة والمسؤولية، ولتجنب أي توتر أو تصعيد، لا بد من مراجعة تلك القرارات والتراجع عنها أياً كانت، ثم المبادرة بطلب السماح ممن تضرروا منها والاعتذار لهم بصدق ووضوح، حتى لا تتراكم مشاعر الزعل والخصومة والكراهية، وتبقى العلاقات في حدها الأدنى من التوازن والاحترام. لكن من المهم إدراك حقيقة أساسية، وهي أن التراجع عن الخطأ والاعتذار لا يعني بالضرورة أن المتضررين سيقبلون العذر تلقائيًا. فالعفو والسماح أمران مرتبطان بعدة عوامل، في مقدمتها حجم الضرر الذي وقع، وحجم الخطأ نفسه، ومدى عمقه وأثره، ثم مصداقية الاعتذار وصدق طلب السماح. كما أن قبول العذر يتوقف على الجدية الحقيقية في عدم العودة إلى الأخطاء ذاتها، أو اتخاذ قرارات جديدة متهورة أو حمقاء تُلحق أضرارًا مشابهة بالآخرين.
ولهذا، فإن من ألحق ضررًا بالآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو كيانات أو دولًا، مطالب بأن يكون صادقًا في ندمه، وجادًا في توبته، وواضحًا في اعتذاره، وحريصًا في طلبه للعفو والسماح. فالاعتذار ليس كلمات تُقال، بل موقف يُثبت، وسلوك يتغير، ونهج لا يعود إلى ما كان عليه. ولا توجد ضمانات بأن الجهة المتضررة ستقبل العذر، لكن المؤكد أن الجدية، وحسن النية، والاعتراف الصريح بالخطأ، وعدم تكراره، كلها عوامل تفتح أبواب التسامح ولو بعد حين. فالاعتراف بالتقصير والاعتذار الصادق يفتح القلوب، ويقوي العلاقات، ويعيد الثقة التي قد تكون تضررت. وعندما يرى الناس أن المعتذر لم يكتفِ بالكلام، بل غيّر سلوكه، وضبط قراراته، وتجنب التهور، فإنهم قد يعفون، وقد يسامحون، وقد يعيدون بناء العلاقة من جديد. أما المكابرة والتعنت ورفض الاعتراف بالخطأ، فهي في الواقع علامات على ضعف العقلانية وضيق الأفق. فهذا السلوك لا يحفظ الهيبة، بل يهدمها، ولا يحمي المصالح، بل يضيّعها. فالإنسان الذي يكابر يخسر علاقاته، ومع العلاقات تضيع المصالح وتتسع الفجوات. ولهذا فإن الشجاعة الحقيقية ليست في الإصرار على الخطأ، ولا في التمسك بقرار مؤذٍ، بل في مراجعة النفس، وتصحيح المسار، وتحمل المسؤولية، والمضي قدمًا بعقل راجح، ونفس مطمئنة، وسلوك أكثر اتزانًا وعدلًا.
• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود






