في مشهد تنموي يعكس عمق التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، جاء قرار مجلس الوزراء رقم (320) بتاريخ 28/4/1444هـ، باعتماد يوم 23 مارس من كل عام يومًا للمسؤولية الاجتماعية، ليؤكد أن هذا المفهوم لم يعد مبادرة هامشية أو نشاطًا تطوعيًا محدودًا، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك واقتصاد مستدام. ويأتي هذا اليوم في عامنا الحالي متزامنًا مع اليوم الأثنين الرابع من عيد الفطر المبارك، في دلالة رمزية عميقة جمعت بين فرحتين؛ فرحة العيد بما تحمله من معاني البهجة والتسامح وصلة الأرحام، وفرحة العطاء التي تجسدها المسؤولية الاجتماعية، ليغدو هذا التلاقي لوحة وطنية نابضة بالقيم الإنسانية الرفيعة.
إن تخصيص يوم للمسؤولية الاجتماعية يعكس رؤية استراتيجية واعية تتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من التكافل الاجتماعي وتمكين المجتمع وتعزيز الشراكات بين القطاعات أحد أهم مرتكزاتها. ولم يكن هذا القرار وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم جهود مؤسسية تقودها الدولة لترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية بوصفه ثقافة وطنية متجذرة، تتجاوز حدود العمل الخيري التقليدي إلى فضاء التنمية المستدامة ذات الأثر العميق.
وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بوصفها الجهة الممكنة والمنظمة لهذا الحراك الوطني، حيث عملت على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للمسؤولية الاجتماعية، وتأسيس اللجنة الوطنية، وتدشين المنصة الوطنية التي شكلت نقطة تحول نوعية في تنظيم المبادرات وتعظيم أثرها. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مساهمات القطاع الخاص في برامج المسؤولية الاجتماعية شهدت نموًا ملحوظًا، حيث ارتفعت نسبة الإنفاق الاجتماعي للشركات من نحو 1.19% في عام 2019 إلى أكثر من 4% بحلول عام 2023، كما تضاعفت نسبة الشركات التي تتبنى برامج المسؤولية الاجتماعية بشكل مؤسسي، وهو ما يعكس تحولًا حقيقيًا من المبادرات الفردية إلى العمل المنظم القائم على الحوكمة والقياس.
وقد أكد معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المهندس أحمد الراجحي في أكثر من مناسبة أن المسؤولية الاجتماعية أصبحت أحد محركات التنمية الوطنية، وأن تكامل الأدوار بين القطاعات الثلاثة (الحكومي، والخاص، وغير الربحي) يمثل حجر الزاوية في تحقيق الأثر المستدام. وهذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا بأن التنمية لم تعد مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية تشاركية تتطلب تضافر الجهود وتكامل المبادرات.
أما القطاع الخاص، فقد انتقل من مرحلة النظر إلى المسؤولية الاجتماعية كعبء إضافي إلى اعتبارها استثمارًا استراتيجيًا يعزز من استدامة الأعمال ويرفع من قيمة العلامة المؤسسية. وقد تجسدت هذه القناعة في حجم المبادرات التي تجاوزت مليارات الريالات، وتنوعت مجالاتها بين دعم التعليم، وتمكين الشباب، وتعزيز الرعاية الصحية، وحماية البيئة، وتحسين جودة الحياة. كما أصبح الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية أحد معايير التنافسية بين الشركات، ومؤشرًا على نضجها المؤسسي.
وفي المقابل، لعب القطاع غير الربحي دورًا تكامليًا بالغ الأهمية، حيث شكل حلقة الوصل بين المبادرات والاحتياجات الفعلية للمجتمع، وأسهم في توجيه الجهود نحو الفئات الأكثر احتياجًا، معززًا بذلك كفاءة الإنفاق الاجتماعي وفاعليته. وقد شهد هذا القطاع نموًا ملحوظًا في عدد الجمعيات والمؤسسات، وفي حجم الشراكات التي يعقدها مع القطاعين الحكومي والخاص، بما يعكس تحولًا نوعيًا في دوره التنموي.
غير أن جوهر المسؤولية الاجتماعية يظل مرتبطًا بالفرد، فهو نقطة البداية ومنتهى الغاية. فكل سلوك إيجابي، وكل مبادرة تطوعية، وكل مساهمة في خدمة المجتمع، تمثل لبنة في بناء هذا الصرح الوطني. ومن هنا، فإن يوم المسؤولية الاجتماعية لا يقتصر على المؤسسات، بل هو دعوة لكل فرد لأن يكون شريكًا فاعلًا في صناعة الأثر، وأن يدرك أن مسؤوليته تجاه مجتمعه لا تقل أهمية عن مسؤوليته تجاه ذاته.
ويأتي تزامن هذا اليوم مع أجواء عيد الفطر المبارك ليمنحه بعدًا إنسانيًا مضاعفًا، حيث تتلاقى قيم العيد القائمة على الفرح والعطاء والتراحم مع جوهر المسؤولية الاجتماعية، فيتجدد المعنى، ويتعزز الشعور بالانتماء، وتتسع دائرة الخير لتشمل الجميع. فالعيد ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل هو أيضًا فرصة لإحياء قيم التكافل، ويوم المسؤولية الاجتماعية يترجم هذه القيم إلى ممارسات مستدامة.
إن المملكة وهي تحتفي بهذا اليوم، إنما تؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها العطاء نهجًا، والشراكة أسلوبًا، والتنمية مسؤولية مشتركة. وهنا تتجلى فلسفة وطنية عميقة مفادها أن الأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تُبنى بسواعد أبنائها، وبوعي مؤسساتها، وبإيمان الجميع بأن المسؤولية الاجتماعية ليست خيارًا… بل التزامًا أخلاقيًا ووطنيًا نحو حاضر أكثر ازدهارًا ومستقبل أكثر إشراقًا.
0




