الرواية والتدوين ليسا ضدين يغرد كل منهما في سرب خاص بل شريكا مشوار محوري في صناعة التاريخ المعاصر ، كتباه معاً وتشاركا في صون أحداثه وقدماه لنا بشكله الصحيح والسليم والمكتمل .
لم تدخل الروايات الشفوية والمصادر المدونة – كما يظن البعض – سباق الأكثر قوة وهيمنة على كتابة التاريخ بل حملا معاً أمانة الحفاظ عليه ، فالرواية الشفوية حفظت ما لم يلحق به التدوين من أحداث كما وثَّق التدوين مراحل مهمة من التاريخ مخافة الفقد والضياع .
الرواية الشفوية والتدوين أديا دورهما المحوري والتكاملي في صناعة التاريخ المعاصر غير أن هذا التكامل ربما أخطأ البعض في قراءته حيث همش البعض الرواية الشفوية معتمداً المصادر كأداة رئيسة في عملية التّدوين فيما انتصر آخرون للروايات الشفوية وأهميتها بوصفها مخزوناً ثقافياً لا يمكن إغفاله .
التوثيق الشفوى بكل ما فيه من قصص وروايات وشهادات ومرويات نادرة حفزني لتتبع مساراته واقتفاء أثره – اطلاعاً واستقصاء – وقفت على دوره المؤثر وجمعت معلوماته حتى تحول البحث عن رواياته وشهاداته داخلي إلى شغف وبات الفوز بقصصه ومروياته النادرة رهان نجاح ومسؤولية مهنة
عشت مع التوثيق الشفوي عن قرب داخل المركز الشفوي بدارة الملك عبد العزيز فرأيته بعين الباحث “رئة حياة” تجدد دماء التاريخ وتضمن للذاكرة الديمومة والبقاء .
لقد أعادت دارة الملك عبد العزيز – ممثلةً في مركزها الحيوي النشط – للتاريخ الشفوي قوته ومكانته وعظّمت من دوره وتأثيره وحملته ليأخذ مكانه المستحق وليقف على خطٍ واحدٍ مع التدوين كمصدرين أساسيين للتاريخ ،
لم تقف جهود دارة الملك عبد العزيز عندما تحتفظ به داخل مركزها من كنوز مكتوبة أو مسجلة – صوتياً – لمعاصرين من كبار العمر عاينوا أحداثاً أو عايشوا قصصاً لها قيمتها وتأثيرها تاريخياً بل أطلقت مبادرات بعناوين متباينة لتوثيق الذاكرة الوطنية وعززتها بفعاليات تبني الوعي بقيمة الرواية الشفوية وعظم دورها وتأثيرها .
وعلى خط موازٍ كان لإمارة منطقة المدينة المنورة دوراً بالغ الأهمية بعد إطلاقها مبادرة التوثيق الشفوى لتاريخ المدينة والتي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مستشار خادم الحرمين الشريفين حفظه الله – إبان توليه إمارة منطقة المدينة المنورة آنذاك وتحديدا عام ١٤٣٩هـ
مبادرة التوثيق الشفوي لتاريخ المدينة حازت كل الاهتمام لأثرها وتأثيرها وأهدافها التي حرصت على تأصيلها ومنها صون المكتبة الوطنية وتوثيق وتسجيل الشخصيات العلمية والاجتماعية وخدمة موروث المدينة المنورة وتكوين مصدر تاريخي يتمتع بموثوقية عالية .
حراك قدمه خبراء ومختصون أثرى رافد التاريخ الشفوي وصان قصصه ورواياته التي ساهمت بحق في تشكيل تاريخ الوطن .
لقد عشت مع التاريخ الشفوى شهوراً كانت الأكثر إمتاعاً ، عشت قريباً من قصصٍ لم تحملها كتب التدوين وحملت من التأثير ما لم تحمله نظيرتها المدونة ،
كثيراً ما سألت نفسي كم يا ترى تساوي في ميزان التاريخ رواية شاهدٍ على عصر ؟ أو قصة يحكيها معاصر لحدث ؟ أو رواية يقدمها من يملك معرفة عميقة بالعادات والتقاليد ؟
هذه الروايات الشفوية أقرب للكنز المعلوماتي أكملت فجوات في صفحات التاريخ ، كنا بحاجة لها كي نعرف التاريخ أكثر .
0





