قررت أن أكون وكيل مدرسة، كنت أظنّ – بسذاجة الطموح – أنني مقبلٌ على مرحلةٍ من الهدوء، والمكانة، والهيبة، وأن مكتبي سيكون واحةً من النظام، تشع فيه رائحة القهوة السوداء ،وعبق النعناع مع الشاهي ،ومعتقداً بأن الوكالة منصباً رفيعاً، ومكانة اجتماعية تلمع كالنياشين على الصدر، وأن الوكيل هو الرجل الذي يُشير بيده فتنفذ أوامره،وأنه القائد المهيب الذي يسير بين المعلمين بخطوات محسوبة، والطلاب ينظرون إليه وكأنه جاء لتوزيع قرارات مصيرية ،
، إلا أنني ومع مرور الأيام ومنذُ تسلمي لمهام الوكالة اكتشفت أن الوكيل ليس موظفًا عاديًا، بل كائناً خارقاً يملك قدرةً عجيبة على التواجد في كل مكانٍ في الوقت نفسه: في الفناء، وفي الممرات، وفي غرفة المعلمين، وفي الطابور الصباحي
وها أنا اليوم يعد كل تلك التجارب والطرائف والمواقف التي لا تُعد ولا تحصى، أقولها بضحكةٍ في ظاهرها الرضا وفي وباطنها السخط: نعم قررت أن أكون وكيل مدرسة، إلا أنه لم يخبرني أحد بأنني سأقضي نصف وقتي أبحث عن طالبٍ هارب من الطابور، وآخر هارب من الحصة والنصف الآخر أبحث عن معلمٍ نسي موعد حصته وغادر قبل أن يشرف على مناوبته ، و كذلك لم يخبرني أحد بأن الطلاب سيطرقون باب مكتبي كل دقيقة: فهذا فقد كتابه، وهذا تضارب مع زميله وذاك يريد ورقة دخول للفصل بعد تأخره ،أو ورقة استئذان للخروج من المدرسة لأمرٍ ضروري جدًا بناءً على طلب والده ، فأصبحت أعيش بين نداء الطابور وضجيج الحصص ومشاكل الطلاب كمن يقف وسط إعصارٍ بابتسامةٍ صامدة.وبت أُدير معركةً يومية اسمها “النظام”.
وختام القول فقد أدركتُ بعد أن غرقت بأن الوكالة ليست ترقية ،بل هي تضحية مُقنّعة . تحولت بعد خوض تجربتها من معلم كان يصارع منهجًا داخل الفصل إلى وكيل يصارع النظام ، كمن يصارع الأحلام، كما ادركت أن الوكيل ليس إداريًا يجلس في برجٍ عاجيٍّ يُصدر القرارات، بل هو رجل ميداني يعيش في قلب الحدث، يطفئ الحرائق قبل أن تشتعل، ويُصلح الجدول قبل أن ينهار، ويُعيد النظام قبل أن تخترق تعليماته. كما إنّه رجلٌ متعدد المهام: فهو إداريٌّ في الصباح، مصلحٌ للطابعات قبل الفسحة، وسياسيٌّ بين الفصول بعد الحصة الخامسة وحتى نهاية الدوام ، وجنديًا في معركة بلا هدنة، وبطلًا في مسلسلٍ لا تنتهي حلقاته!
همسة قلم :
الوكيل الحقيقي لا يُقاس بما يُنجزه على الورق، بل بما يُرمّم من علاقاتٍ، وما يُصلح من أخطاءٍ، وما يُعيده من توازنٍ بين التعليم والتربية، وبين الانضباط والرحمة.






