المقالات

شيخ القبيلة بين ثقة جماعته وتطلعات الدولة

بعد التفاعل الكبير الذي حظي به المقال السابق حول واجبات القبيلة تجاه شيخها، وردت مطالبات عديدة من القرّاء للحديث عن الجانب الآخر من العلاقة: وعي الشيخ نفسه بالدور الذي يحمله، وبالثقة التي منحته إياها قبيلته وباركتها الدولة. ولأهمية هذا الموضوع في المجتمعات القبلية، يأتي هذا المقال ليكمل الصورة ويضعها في إطارها الصحيح.

*الشيخ ودوره الحقيقي*
الشيخ لا يُفرض على القبيلة، بل تختاره بإجماعها، ثم تأتي الدولة لتؤكد هذا الاختيار. وهنا يبدأ الدور الأهم: أن يدرك الشيخ أن كل فرد في القبيلة يرى فيه ممثلًا لكرامته وصوته.
والشيخ الذي ينجح في دوره هو الذي يقود بالعدل، ويعامل الناس بمخافة الله، ويكون قريبًا منهم في أفراحهم وأحزانهم.
والناس تعتز بالشيخ الذي يقف معهم في ظروفهم وأزماتهم، ويتابع معاملاتهم باهتمام، ويعمل على تهدئة خلافاتهم وإصلاح ذات بينهم، فهذه المواقف البسيطة هي التي تبني مكانته في قلوبهم.

*الولاء للوطن… مسؤولية الشيخ قبل غيره*
من أهم أدوار الشيخ اليوم أن يكون قدوة في الولاء للوطن وقيادته. فالقبيلة جزء من الدولة، والدولة هي المظلة التي تحمي الجميع. والشيخ الواعي هو الذي يبعد قبيلته عن أسباب الحمية والعصبية المنتنه، ويرفع وعي أبنائها بأن السعودية قبيلة الجميع تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله.

*عندما يعي الشيخ دوره… تتغير نظرة القبيلة والدولة*
عندما يدرك الشيخ حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، تتحول القبيلة من كيان منغلق إلى رافد يعزز روح المواطنة، وتتحول الدولة في نظر أفرادها من مجرد نظام إلى مظلة تجمع وتحمي الجميع.
وهذا الوعي يجعل من ثقة القبيلة والدولة جناحين ينهض بهما المجتمع القبلي نحو الاستقرار والوئام.

*الشيخ كحلقة وصل بين القبيلة والدولة*
لم يعد دور الشيخ اليوم مقتصرًا على حل النزاعات والخلافات، بل أصبح يمثل قبيلته أمام الجهات الرسمية، ويتابع احتياجاتها، ويطالب بحقوقها في الخدمات التي توفرها لها الدولة حفظها الله، ويشرح الأنظمة لأبنائها. والشيخ الناجح هو من يوازن بين مطالب قبيلته واحترام الأنظمة، ويقدم صورة حضارية تعكس وعي جماعته.

*صفات الشيخ الذي تُجمع عليه القلوب*
هيبة الشيخ لا تأتي من البعد عن الناس، بل من قربه منهم. من سعة صدره، وعدله، وقدرته على جمع الكلمة، وتهدئة النفوس، والوقوف مع أبناء قبيلته في الشدائد. وفي الأزمات، يظهر معدن الشيخ الحقيقي: صبر، وحكمة، وهدوء.

*الأصالة والمعاصرة معادلة الشيخ الناجح*
نفخر ونعتز بالشيخ الذي يستحق الثقة ويكون قادر وماهر في أن يجمع بين احترام الموروث القبلي والمحافظة عليه وفهم متطلبات العصر. الذي يحافظ على قيم قبيلته، ويشجع أبناءها على التعليم والابتكار والتطوير والعمل والمشاركة في رؤية الوطن. وهو القدوة في الكرم، ليس فقط في الضيافة وبسط الموائد، بل في كرم الموقف والوقت وكرم النفس.

*ختامًا*
المجتمع يعتز بالشيوخ الذين جعلوا من المشيخة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، ومن خدمة الناس شرفًا قبل أن تكون واجبًا. والتاريخ لا يخلّد إلا من جمع القلوب، ورفع شأن قبيلته، وكان سندًا لأبنائها، وصوتًا حكيمًا أمام الدولة.
فالمنصب يزول، لكن السمعة الطيبة تبقى، والشيخ الذي يعي دوره يترك أثرًا لا يمحوه الزمن، ويكسب احترام قبيلته، وثقة قيادته، ورضا ربه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى