المقالات

عزة النفس وقسوة الحياة.

من منا لم تتقاطع مع حياته لحظة انكسار، وشعورٌ أن بينه وبين عزة نفسه لحظة اختبار؛
فإمّا يصبر على المرّ ويحافظ على بقايا عزة نفسه وكرامته،
وإمّا تجبره ظروف الحياة القاسية التي لا ترحم أحيانًا، فتلقي بثقلها المؤلم على قلبه الذي أصلًا هزمته معارك الحياة التي لا تنتهي،
فتجعله يُصانع ولو رمى بكل مُثُله، ليس فقط عرض الحائط، بل عرض هذه الدنيا التي ليس لها صاحب.
ونمضي مع قول الشاعر زهير بن أبي سُلمى:
وَمَن لا يُصانِعْ في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّسْ بِأَنيابٍ وَيُوطَأْ بِمَنسِمِ

وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَلْ بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ

وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرْهُ، وَمَن لا يَتَّقِ الشَّتمَ يُشتَمِ

لكن هل المصانعة، والتي نسميها المجاملة، بها عيب؟
أم هي خصلة مقبولة ومطلوبة أحيانًا، حتى لا نكسر قلوب الناس إذا ما كانت الحقيقة مُرّة،
ولم يكن في تركها حجبُ حق أو كذبٌ محض؟
وفي الجانب الآخر هناك من رأسه وألف سيف؛ لا يمكن أن يُصانع أو يتقبل أمرًا لا يرى أنه صحيح، حتى ولو لا يخصه،
ويعدّ ذلك من عدم الكرامة ونقصًا لا يتقبله.
تصادف الإنسان عدة مواقف، كما قلت، يقع فيها على حافة رقيقة:
إمّا تمضي به إلى قبول الواقع الأليم، أو لا يرضى به .
وهذا ينطبق على الكثير من ظروف الحياة، بدءًا من حاجةٍ لك عند من لا يفهم ولا يرحم. انتهاء الي من يتفهم ولكن فاقد الشئ لا يعطيه فتعود بخيبة أمل وتسحب خطاك علي غير هدي . ولكن كيف إذا كان إختبار الكرامة عند الهوى، وجور الصبابة والجوى؟
فالعشق والغرام، فهذا له ميزانٌ آخر وكلام.
فليس هناك أقسى من تلقي سهم إنكار أو جفاء بعد عهود ووعود،
فيتحول إلى هجر وصدود.
الشاعر العراقي كريم عودةلعيبي السويعدي ، يقول في قصيدته الشهيرة :
لا تَشْكُ للناسِ جرحًا أنتَ صاحِبُهُ
لا يُؤلمُ الجرحَ إلّا مَنْ به ألمُ
شَكواكَ للناسِ يا ابنَ الناسِ منقَصَةٌ
ومَنْ من الناسِ صـاحٍ ما بهِ سَقَمُ
فإنْ شكوتَ لِمَنْ طابَ الزمانُ لهُ
عيناكَ تغلي، ومن تشكو لهُ صَنَمُ
وإنْ شكوتَ لِمَنْ شكواكَ تُسعدُهُ
أضفتَ جُرحًا لجُرحِكَ اسمُهُ النَّدَمُ
كم صِرتُ جسرًا لمن أحببتُهُ فمشى
على ضلوعي، وكم زلَّتْ بهِ قدمُ
كُن فيلسوفًا ترى أنَّ الجميعَ هنا
يتقاتلون على عَدَمٍ، وهم عَدَمُ!!

كم تأخذنا الحياة إلى مواقف تؤلمنا، ولكن لا بدّ منها أحيانًا.
فلا يصفو العيش ما دامت مراغم الحياة تتواصل، ولا يسلم منها أحد.
وأيضًا، لم يترك الشعر الغنائي طرق هذا الباب، فيقول أحمد رامي على لسان فاطمة البلتاجي.
أكيد الكثير يتساءلون: من هذه السيدة البلتاجي؟
هي الست، وأم الطرب وأبوه… إنها أم كلثوم، فقالت:
حيّرتَ قلبي معاك
وأنا بداري وأخبي
قل لي أعمل إيه وياك
ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي أشكي لك من نار حبي
بدي أحكي لك عاللي في قلبي
وأقول لك عاللي سهّرني
وأقول لك عاللي بكّاني
وأصوّر لك ضنى روحي
وعزّة نفسي منعاني
وكانت تجمع بين أحمد رامي وأم كلثوم علاقة عمل وصداقة، ولم يصارحها يومًا بحبه أو يعرض عليها الزواج.
وكان يقول:
«أم كلثوم رمز، مثل الهرم والنيل…
هل رأيتم أحدًا تزوّج الهرم أو النيل؟»
والمحزن أنّه عند وفاة أم كلثوم، كسر أحمد رامي قلمه، واعتزل الكتابة، وابتعد عن الناس، وبقي في حالة اكتئاب وعزلة.
وأختم بأبيات الشاعر الكبير أحمد شوقي:
هجرتُ بعضَ أحبّتي طوعًا لأنّي
رأيتُ قلوبهم تهوى فِراقي

نعم يشتاقُهم قلبي ولكن
وضعتُ كرامتي فوق اشتياقي

وأرغبُ في وصالهم ولكن
طريقُ الذلِّ لا تهواهُ ساقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى