المثل الشعبي الذي هو عنوان المقال “جفّت البركة وبانت ضفادعها”، يعني: إذا جفّ الماء، ظهرت الضفادع على حقيقتها، بعد أن كان يسترها الماء العكر، والذي كان في الأصل صافياً فعكّرته أفعال الخيانة؛ لأن العكر يبرع الاصطياد فيه من لا يرعى الأمانة ولا حقّ الجيرة والأخوّة. وها هي البركة اليوم قد جفّت تماماً، حتى لا طين يختبئون خلاله، ولا ماء يستر، وهذا ما جنته أيديهم المرتعشة، فبانت الضفادع موقعاً وصوتاً وانتفاخاً، كلٌّ على قدر حجمه الحقيقي.
المجلس الانتقالي، ذاك الذي تربّى في البركة عندما كانت نقية وصافية، بما قدّمه التحالف والمملكة بالذات، وأكل من خيرها وشرب من مائها، قام من لا يحبّ الماء الصافي بتعكيرها ثم تجفيفها عمداً متعمداً، ولكن من دون وعي أو شيء من المسؤولية الوطنية. فلم ينتظر طويلاً حتى يثبت أن الوفاء آخر ما يمكن أن يُدرج في قاموسه السياسي. فما إن اشتدّ عوده قليلاً بفضل من ربّاه وآزره، وحفظ كيان عدن من احتلال الحوثي، أظهر نياته الدفينة الحاقدة، وهنا يحضر المثل العربي: جنت على نفسها براقش، وليس اليوم كما البارحة. فَنَسِيَ الانتقالي من سقاه، وعضّ اليد التي امتدّت له يوم كان لا يُرى إلا بالمجهر.
أما (جارتنا)، فقصتها معروفة، لكنها اليوم أوضح من شمس الظهيرة. لم تعد الدسائس تُحاك في الغرف المغلقة، بل صارت تُدار على المكشوف. مشاريع تُسوَّق بشعارات براقة: «استقرار، أمن، تمكين»، بينما الحقيقة أنها ليست سوى إدارة فوضى مؤجَّلة، وتفكيك ما تبقّى من دولة قطعةً قطعة.
المجلس الانتقالي، من جهته، لعب الدور المطلوب منه: رفع شعارات كبيرة، وملأ السكون ضجيجاً، كأي ضفدع وجد نفسه عارياً من المثل والقيم الأخلاقية، ولا جديد في ذلك. فظنّ أن شعارات جوفاء يرفعها ستمنحه السيادة في القرار، وهو أصلاً لا يعبّر عن إرادة كافة الجنوبيين، بينما القرار الحقيقي يُكتب ، بيد من يعرف مصلحة اليمن عموماً والجنوب خصوصاً إقليمياً ودولياً، وبحبر واعٍ وشريف، لا انتقالي ولا ممّن يتشدّد له.
الأطرف في المشهد أن المجلس لا يزال يتحدّث عن «الإرادة الشعبية»، وكأن الشعب لم يرَ ولم يسمع ولم يكتشف أن حضرموت والمهرة غير. والظاهر أنه الوحيد الذي لا يعرف مكوّنات حضرموت وسيئون والمهرة، فهرف بما لا يعرف؛ أو يعرف، وهنا يحضر القول: إن كنت لا تعرف فتلك مصيبة، وإن كنت تعرف فالمصيبة أعظم. وقد بان ذلك التفكير السطحي للعيان.
اليوم، بعد أن جفّفوا البركة، لم يعد هناك ما يُخفي الحقيقة: تنكّر للجميل، وارتهان للخارج، ومشاريع لا تعيش إلا في الظل. أما الضفادع، فقد ظنّت أن كثرة النقيق تصنع شرعية، ولم تدرك أن أول ما ينكشف عند الجفاف… هو الصوت الكاذب.
هكذا، وببساطة، سقطت الأقنعة؛ لأن الماء النقي جفّ بفعل فاعل اسمه «الأخوين غير الوفيّين»، فلم يعد في البركة ما يكفي لإخفاء القبح، فالضفادع اليوم لا تحسن إلا النقّ والنقيق.
والآن، وبعد أن تحرّرت المناطق التي تهوّر المجلس الانتقالي وهاجمها، بادرت الشرعية اليمنية بدعوة المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر يضم مكوّنات الجنوب، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية تحدد مسار القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع. وقد جاء قبول مملكة الخير والسلام لهذه الدعوة تأكيدًا لدورها المحوري ومسؤوليتها التاريخية في رعاية الحلول العادلة.
وفي المقابل، لم يكن أمام من خرج عن الشرعية سوى التراجع، طوعًا أو كرهًا، بعدما اتضح بما لا يدع أدنى لبس أن السبيل الوحيد الذي يحرص على مصلحة اليمن ككل، والقضية الجنوبية على وجه الخصوص، ويمتلك مفاتيح الحل والربط بعقلية رشيدة وحكمة قادرة، هو المملكة العربية السعودية.
لقد وجد المجلس الانتقالي نفسه وحيدًا؛ فلا أبناء الجنوب وقفوا معه، ولا من جرى التغرير بهم استطاعوا تغيير النتيجة التي كانت معروفة سلفًا. وهكذا انتهى عرض المسرحية.






