الوهمُ والهِياط قد يصنعان صنمًا، لكنهما لن يصنعا بطلًا.
فالأبطال تصنعهم أفعالهم الشريفة، الخالية من المحاصصات الشخصية، ومن الأجندات القادمة من خارج الحدود.
فعل عيدروس ما يفعله كل من خان الفكرة قبل أن يخون الناس؛
هرب.
هرب بعدما شحن من غرَّر بهم بالحقد،
وأشعل بينهم الفتنة،
وقسّم الشارع،
وحطّم ما تبقّى من عقولهم بخُطبٍ تعبويّة لا تُشبع جائعًا ولا تحمي مدينة.
قال لهم: أنا القايد.
ثم زرع الشوك،
وزرعه بإتقان:
خلافات، دماء، كراهية، أوهام نصر.
وحين حان وقت الحصاد،
ذلك الحصاد الذي طالبت به قيادة اليمن، والحكومة الشرعية، والتحالف،
وقيام مملكة الخير باستضافة حوارٍ لممثلي كافة الأطياف الجنوبية،
للاتفاق على رؤية حكيمة تمهّد لنيل الجنوب ما يستحقه…
هرب.
هرب لأنه لا يبحث عن عدالة للجنوب ولا عن سلام،
بل لتنفيذ توجّهات معازيبِه في الفتن وحصاد الخراب.
وحين أدرك أن تلك الفتن وذلك الخراب لن يحلّا قضية الجنوب،
وأن السلام والأمن وتحقيق ما يتمنّاه الجنوب لا يكون إلا بالحكمة،
وبالخطوات العقلانية السلمية،
هرب في ليلةٍ ظلماء،
بعدما أوهم المُغرَّر بهم أنه ذاهب لحضور الحوار في الرياض.
حتى في مغادرة المشهد لم يكن بطلًا،
بل إمّعة تُدار بالتوجيه عن بُعد.
فالهروب في الليالي المظلمة شيمة كل الجبناء ومدّعي البطولات،
وهم في الهزيمة كالغزال.
ولا تزال عبارات بعض هؤلاء يتردّد صداها في آذاننا،
تلك التي كانت شِلّة الإنس تُهلِّل بها،
نسمعها من بعيد وكأن التاريخ يعيد نفسه.
يحضرني هروب صدام،
وفي آخر ظهور له شِلّة تزفّه للهروب وهي تقول:
«صوتك صدام هزّ أمريكا».
ثم يستمر تداعي تلك المهايطات،
لنصل إلى سرت، ملجأ القذافي الأخير،
ونسمع زبانيته يرددون:
«طُزّ مرة ثانية في أمريكا وبريطانيا».
مشهد يتكرر بين حينٍ وآخر،
ليثبت من جديد أن الطغاة لا يتعلّمون،
والسبب أنهم يملكون لسانًا ثرثارًا،
لكنهم لا يملكون عقلًا رشيدًا.
وكأني بالأهازيج العيدروسية تمثّل مراحل هياطه وجنونه:
من «صبوحة خطبها نصيب»،
ثم «وين باتروح والحبل مزرور»،
إلى لطم الخد وهو يردّد: «كلمة ولو جبر خاطر».
انسحب؟
لا… بل هرب عيدروس،
وترك الزفيفة يدوسون على الشوك حفاة،
يتبادلون الخيبات بدل الأسئلة.
وقبل أن يهرب الزبيدي، لا يمكن أن ترتاح نفسه؛
فكيف لخائنٍ ومحرّض أن يترك اليمن، والجنوب بالذات، ينعم بشيءٍ من السلم؟
طبعًا لا… ما ينفع.
لا بد أن يتلذّذ بمواصلة العنف وإسالة الدماء،
فقال للشيطان عشيره:
لا زال في جعبتي المزيد من الشر.
فردّ إبليس: برافو برافو… كفو… شدّ حيلك.
فأرسل، قبل هروبه المُذلّ،
آخر ما جمعه من القوات المخدوعة إلى الضالع،
وهو في طائرته يناظر الساعة،
ويؤشر بيده:
باي باي عدن.
مع تمتمة غير بريئة:
إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم،
بلا جنوب،
ويلا انتقالي سوبعات،
وأنا عندك يلّي شغلت القلب الخالي.
أنا راحل حيث الهوى،
بلا عدن، بلا قضية، بلا خرطي،
فما الحب إلا للحبيب الأول.






