المقالات

المدينة المنورة إلى اليونسكو: المدينة المبدعة في مجال فنّ الطهي

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعلم والثقافة (اليونسكو) عن إدراج المدينة المنورة ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، بصفتها ثاني مدينة مبدعة في مجال فنّ الطهي بالمملكة بعد مدينة بريدة. يعكس هذا الإنجاز الجهود الوطنية التي بذلتها المملكة لتعزيز مكانة المدينة المشرّفة كمركز إشعاع حضاري. إنّ هذا الإدراج بمثابة اعتراف عالمي بتراثها الثقافي وبفنّ الطهي الخاص بها، والذي سيزيد من تعزيز مكانة المدينة المنورة المميزة كوجهة سياحية رائدة في السعودية. وسيفتح الآفاق أمام آلاف الفرص الاستثمارية التي ستنعكس على تطوير قطاع الطهي. ومما لاشك فيه أنّ هيئة تطوير المدينة المنورة سوف تعمل على تطوير قطاع الطهي فيها كإنشاء سلسلة من المطاعم والمقاهي الجديدة التي ستصبّ في مجال تطوير الأذواق التراثية والتقليدية للمدينة. وهو ما سيؤدي بدوره الى تعزيز السياحة بشكل عام لاسيما مع ازدياد عدد زوار المدينة المنورة الذي بلغ في موسم السياحة للعام 2023 أربعة عشر مليون زائر .

إدراج المدينة المنورة كمدينة عالمية للطهي يمكن أن يكون فكرة رائعة ومبتكرة، لاسيما في سياق الابتكار الاجتماعي، نظرًا لما تتمتع به المدينة من تاريخ عريق وموقع استراتيجي مميّز. وهذا يعني بلا شك دفع هيئة فنون الطهي إلى دعم رواد الأعمال في مجال الطهي في منطقة المدينة المنورة، بما في ذلك توفير التمويل والتدريب والاستشارات. وهو ما يدفع بالضرورة لدعم المزارع والمقاهي وتطويرها بشكل جاذب مع المحافظة على الهوية البصرية السعودية الحجازية المميزة لتكون صديقة للبيئة، مما سيعزّز من جودة المنتجات المحلية. وهو ما بدأت ألاحظه في مشاريع تطوير المدينة المنورة الأخيرة: مثل مزرعة الأوسية التاريخية و مقصد قباء وغيرهما؛ حيث تمّ تطوير ما يحيط بالأماكن التاريخية فانتشرت حدائق مُخدّمة للتنزه العائلي تُقدّم فيها المشروبات والمأكولات المدينية. كذلك تم تطوير سوق الطباخة من قبل هيئة تطوير المدينة ليوائم الهوية المدينية الذي يمتد تاريخه لأكثر من ستين عام ويحتوي على قرابة 65 مطعما تتنافس في تقديم أطباق شعبية مختلفة. وتم تأهيله مؤخرا ليصبح وجهة سياحية مهمة، حيث صمّم السوق بطريقة تحاكي التراث المحلي، مما جعله مقصدًا سياحيًا للزوار وأهالي المدينة على حدّ سواء.

إنّ تعزيز مشروع “المدينة المبدعة في مجال فن الطهي” سيقود الى ترويج المطبخ المدني التقليدي، و إبراز الأطباق التقليدية، وقد يلعب تنظيم مهرجانات ومعارض للطهي تُقدَّم فيها الأطباق التقليدية للمدينة المنورة دورًا في الترويج السياحي حيث يرى الزائر تراث المدينة وتنوّع ساكنيها منذ العهد النبوي والذي ازداد بشكل كبير جدا بسبب رحلات الحج. كما أنّ تقديم ورش عمل للطهي في رحاب مدينة السكينة يمكن يزيد من انتشار ثقافة المطبخ المديني حيث يقدّم الهواة الراغبون من الذكور والإناث الوصفات التقليدية للمدينة المنورة، مع التركيز على المكونات المحلية والتوابل الخاصة التي يتميز بها أهل المدينة المنورة. وفي هذا استفادة من الموقع التاريخي والثقافي من حيث ربط الطعام بالتاريخ، كما يمكن تنظيم جولات لزيارة الأماكن المقدسة مثل المسجد النبوي، وجبل أحد، إضافة لزيارة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، والمتحف،إضافة لمواقع تاريخية هامة مثل منطقة بدر و البيضاء والفقرة مع تقديم أطباق تقليدية في هذه الجولات.

وفي هذا دعوة لرواد الأعمال لإنشاء متاحف للطعام تعرض تاريخ المطبخ المدني وتطوره عبر الأجيال، وتُقدّم تجارب طهي تفاعلية، إضافة لتعزيز السياحة الغذائية، وتوفير بنية تحتية لمطاعم مميزة و متخصصة في تقديم الأطباق التقليدية للمدينة مع الحفاظ على جودة الطعام والخدمات.
يرى زائر المدينة في الآونة الأخيرة تنوعًا ووفرة في أسواق الطعام الدورية التي تُقدم فيها الأطباق المحلية والعالمية، مع التركيز على المأكولات الصحية والمستدامة. ومما يلاحظ في ساحات الحرم النبوي الشريف وجود تعاون دولي وهو أشبه بمهرجانات الطهي العالمية، ويدعو مؤثري الاعلام الجديد و المهتمين للمشاركة في مهرجانات الطهي العالمية لتعريف العالم بالمطبخ المدني والتراث الغذائي للمدينة المنورة، وفتح المجال لبرامج عالمية في تنظيم برامج تبادل طهي مع دول أخرى، حيث يأتي طهاة من مختلف أنحاء العالم ليتعلموا من المطبخ المدني، ويُعرّفوا أهل المدينة تقاليدهم.

لا شك أن في ذلك دعمًا للاقتصاد المحلي، فالمزارعون سيمدون السوق بأجود أنواع الخضار والفواكه والحبوب والأعشاب المحليّة المستخدمة في الأطباق التقليدية، كما يفتح مجال التوظيف و توفير فرص عمل في قطاع الطهي والسياحة للسكان المحليين، مما يساهم في تنمية المجتمع. ولاشك أنّ الترويج للمدينة المنورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كوجهة للطهي من خلال نشر صور وفيديوهات للأطباق التقليدية والأنشطة الطهوية ودعم للأسر المنتجة التي تقدم أشهى وألذ الأطباق المدينية. وهنا يأتي دور الاعلام الجديد في التعاون مع مشاهير الطعام لتسليط الضوء على المطبخ المدني. إضافة إلى نشر مبادرات الطعام المستدام والصحي، مثل استخدام المكونات العضوية من مزارع المدينة المنورة، وتقليل الهدر الغذائي، وكيفية تحضير الوجبات المغذية.

ختام القول لاشك أن اختيار المدينة المنورة من قبل اليونسكو، والاستفادة من هذه الأفكار، سيمكّنها من أن تكون وجهة مميزة تجذب عشاق الطعام من جميع أنحاء العالم، وتعزّز من اقتصاد المدينة وثقافتها في الوقت نفسه.

• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى