في زمنٍ تُقاس فيه قيمة المؤسسات بقدرتها على صناعة الأثر، لا بعدد المكاتب الفاخرة ولا بحجم الميزانيات المرصودة، تقف بعض المؤسسات شاهدةً على مفارقةٍ مؤلمة: إمكانيات مادية وافرة، كوادر بشرية مؤهلة، وتوقعات مجتمعية عريضة… ومع ذلك، عجزٌ فاضح عن تحقيق الحد الأدنى من التطوير، بل تعجز حتى عن تطوير نفسها. المشكلة ليست في نقص الموارد، فالأرقام على الورق مطمئنة، والهيكل التنظيمي مكتمل، والخطط الاستراتيجية مصوغة بعناية لغوية تُبهر القارئ. لكن بين النصوص والواقع فجوة واسعة؛ فجوة عنوانها غياب الرؤية الحقيقية، وضعف الإرادة، وانشغال الإدارة بالمظهر بدل الجوهر. ولأن الاعتراف بالعجز يحتاج إلى شجاعة، وهي عملة نادرة، تلجأ الإدارة إلى حيلةٍ مكشوفة وهي: إشغال منسوبيها على الدوام بحركةٍ شكلية توهم بوجود ديناميكية. فتارةً يُعلن عن إعادة تموضع إدارة، وكأن تغيير الموقع سيغيّر الأداء. وتارةً يُنقل موظف من قسم إلى آخر، لا لاعتبارات تطويرية مدروسة، بل لخلق ضجيج إداري يُشعر الجميع بأن شيئاً ما يحدث. وأحياناً تُزال الحواجز بين الأقسام في مشهدٍ احتفاليٍّ هزيل، وكأنهم يعيدون تمثيل سقوط جدار برلين على نطاقٍ مصغّر، غير مدركين أن الجدار الحقيقي ليس من طوبٍ يُهدم، بل من أفكارٍ جامدة وأسوار عجز راسخة في العقول لا تسقط بضربة مطرقة.
والمفارقة الأشد سخرية أن الجدار الذي يُحتفى بإزالته ليس جداراً إسمنتياً عصياً، بل حاجزاً خشبياً أو ألمنيوم خفيف، وُضع يوم وضع قبل سنوات بقرار إداري عابر كأحد أساليب إشغال الموظفين عن التطوير الحقيقي. واليوم يُزال بنفس الجدية المصطنعة، وكأن المؤسسة اكتشفت فجأة عبء وجوده! والأدهى، أنه لا يُستبعد أن يعود الحاجز ذاته بعد فترة من الزمن، بلمسة “تحديثية” طفيفة، ليُعاد تسويقه كإنجاز مبتكر جديد. دورة عبثية لا نهاية لها: نضع الحاجز لنبدو منظّمين، ثم نزيله لنبدو متطورين، بينما تبقى المؤسسة تدور في مكانها، والموظفون يهرولون خلف سراب التحول، وأوهام التطور، وحيل إدارية تبدو كبيرة على الورق لكنها فارغة في الواقع. هنا تبلغ المفارقة ذروتها عندما تُرفع اللافتات لتُعلن حرية المرور في الممرات، في حين يظل المرور إلى فكرةٍ جديدة أو مبادرةٍ جريئة ممنوعاً إلا بتصريح طويل الأمد. إن إعادة ترتيب المكاتب لن تعيد ترتيب الأولويات، ونقل الموظفين لن ينقل المؤسسة إلى مصاف الريادة، وإزالة الحواجز الزائفة لن تزيل الحواجز الحقيقية المتمثلة في البيروقراطية، وضعف القيادة، وغياب الشفافية.
المؤسسة التي يُعوَّل عليها في تطوير وتنمية المجتمع من المخجل أن تكون عاجزة عن تطوير آلياتها الداخلية. التنمية ليست شعاراً يُرفع في التقارير السنوية، بل ثقافة تبدأ من الداخل: وضوح أهداف، شفافية في التقييم، شجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية، واستعداد لتحمّل مسؤولية الإخفاق قبل الاحتفال بالنجاح. إن المؤسسات العظيمة تُقاس بقدرتها على مواجهة قصورها قبل الاحتفاء بإنجازاتها. أما حين يتحول العمل الإداري إلى مسرحٍ دائم لتغييرات تجميلية، فذلك ليس حراكاً؛ بل دوران في حلقة مفرغة، يُستهلك فيه الوقت والمال والطاقات، بينما تبقى الأهداف الكبرى معلّقة، تنتظر إدارة تملك الجرأة لتبدأ الإصلاح من حيث يجب، لا من حيث يبدو أقل كلفة وأكثر صخباً.



