
لم تعد قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي مرتبط بشخص متهم توفي داخل السجن، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لشفافية النظم السياسية الغربية وقدرتها على محاسبة شبكات النفوذ عندما تتقاطع فيها السلطة بالمال والعلاقات الاجتماعية المغلقة. ولهذا السبب ما زال الملف يثير القلق داخل دوائر القرار، رغم مرور سنوات على وفاة المتهم الرئيسي.
أول أسباب هذا القلق أن القضية كشفت هشاشة الصورة المثالية التي تحرص الديمقراطيات الغربية على تقديمها بوصفها نموذجًا للعدالة المتساوية؛ إذ أظهرت التحقيقات كيف استطاع رجل واحد، عبر شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية، أن يتحرك لسنوات طويلة دون أن تتشكل حوله مساءلة حاسمة في الوقت المناسب. هذه الحقيقة وحدها كانت كفيلة بطرح سؤال حساس: هل النفوذ الاجتماعي قادر على تأخير العدالة أو التأثير في مساراتها؟
السبب الثاني يتمثل في طبيعة الوثائق التي ما زالت تُنشر تباعًا؛ فهي لا تتحدث عن جريمة فردية فحسب، بل تكشف حجم التشابك بين عالم المال والسياسة والنخب الاجتماعية، وهو تشابك يثير مخاوف دائمة من أن تتحول القضية إلى سلسلة متواصلة من الفضائح السياسية التي قد تضرب الثقة العامة بالمؤسسات. وفي الأنظمة الديمقراطية، لا يُعد تآكل الثقة الشعبية خطرًا إعلاميًا فقط، بل خطرًا سياسيًا يمس شرعية المؤسسات ذاتها.
أما السبب الثالث فهو أن القضية لم تُغلق سرديًا بعد؛ فكل دفعة جديدة من الوثائق تعيد فتح النقاش، وتغذي نظريات الشك لدى الرأي العام، وتمنح خصوم الغرب السياسيين مادة جاهزة للطعن في خطابه الأخلاقي بشأن حقوق الإنسان والعدالة. ولذلك تتعامل النخب الغربية مع الملف بحذر شديد، لأن استمرار الجدل حوله لا يهدد سمعة أفراد فحسب، بل يمس صورة النظام السياسي بكامله.
في النهاية، الخوف الحقيقي الذي تسببه قضية إبستين ليس في الماضي الذي كشفت بعض تفاصيله، بل في الأسئلة التي ما زالت مفتوحة: هل كانت العدالة كاملة؟ وهل كل ما ينبغي كشفه قد كُشف فعلًا؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل الملف حاضرًا في الذاكرة السياسية الغربية، وتفسر لماذا ما زال اسمه يُذكر كلما طُرح الحديث عن النفوذ والعدالة وحدود الشفافية في الديمقراطيات الحديثة.






