لم يكن اسمها مكتوبًا في السجلات المدنية، لأنها كانت تتبدّل مع كل زمن، وتأخذ ملامح البيئة التي تمرّ عليها وتستقر بها. كانوا يرون فيها كائنًا غامضًا، فكرةً مراوغة، ووعدًا بالقوة التي لا تُرى مباشرة. حيث إنها لم تدخل المشهد بصخب، بل بانسيابيةٍ خفية وعيونٍ لامعة. كانت حية رقطاء تتحرك بصمت، تلون نفسها بما يريح من حولها، وتزرع الهيبة والخوف كما لو كان سحرًا أبدياً، وعن السيطرة كما لو كانت لعبة تنتظر من يقرأ قواعدها.
قالت بصوت خافت إنها لا تطلب العرش صراحة، بل تريد أن تتسلل بين الزوايا، وتستقر في الممرات، وتضع علامات صغيرة هنا وهناك. كانت كلماتها مراوغة، تلمّح بالعدل والطهر، لكنها تخفي الرغبة في النفوذ. لذلك تعلق بها من حولها، لأن المجتمعات تميل إلى من يحسن الظهور بظاهرٍ آمن، بينما يحمل في الداخل رغبة في التمركز. ولم يكن في خطابها طلبٌ مباشر للسلطة؛ بل كانت توهم الآخرين أن العرش وسيلة لا غاية. غير أن الرغبة تنمو حين يطول التواجد بين القلوب، فتتحول من حركة خفية إلى رغبة صريحة في السيطرة.
في بدايتها كانت أفكارها كساحة مفتوحة، يستطيع كل عابر أن يمرّ منها دون أن يعي ما يحدث. لكن الساحة مع مرور الوقت تضيق. حيث صار لها باب وحراس ومقاعد مرسومة بعناية. تبدّل حال الحية لم يعد مجرد مراوغة؛ بل صار الاصطفاف شرطًا، والوقوف في الصف وسيلة لرصد الولاءات. وهنا تغيّر المعنى: لم تعد المرونة والحذر نورًا مشاعًا، بل أصبح إطارًا خاصًا، لا يكتمل إلا عبره. تحوّلت الحيلة من أفقٍ واسع إلى هوية مغلقة، ومن معنى جامع إلى شبكة تحرس نفسها.
لم ينبه الكثير لهذا التحول، لأن الانضباط يبدو جمالًا، والصف المتناسق يمنح شعورًا بالأمان. لكن التنظيم حين يشتد يميل إلى الصمت أكثر من التساؤل، ويأنس بالتشابه أكثر من التنوع. وهكذا ارتدت الحية الرقطاء ثوب التنظيم، وأصبح الحذر محاطًا بسياج لا يُرى من بعيد.
ومع وجودها، بدأ القصر يشع في الأفق كمرآة بعيدة تعكس صورة القوة الخفية. لم يكن حاضرًا مباشرة، لكنه تسلل إلى التخيلات لاحقًا. ومع كل اجتماع مغلق، نما السؤال: كيف أصل؟ لم يُطرح علنًا، بل في الظل، حتى صار “التمركز” كلمة تتردد أكثر من “الخدمة”، وصار قياس النجاح بعدد النفوذ لا بعمق الأثر. وفي لحظة، انقلبت الموازين؛ لم تعد السلطة وسيلة، بل صار الحذر والسحر الخفي سلمًا نحو الهيمنة، وتحول اللعب إلى ترتيب المقاعد حول العرش.
وحين اقتربت من القصر، اكتشفت أن الطريق لا يُفتح بالظهور اللطيف وحده، فمدت يدها إلى من كانت تراهم خصومًا بالأمس، وسمّت ذلك توافقًا مرحليًا، . ربما كانت سياستها تحتمل هذا اللون المتغير، غير أن اللطافة الأولية لم تبق كما كانت. حيث ظهر التباين بين خطاب صارم في الساحات وخطاب مراوغ في الممرات، بين دعوة للتعاون وبنية لا تحتمل الاختلاف. فالنفوذ لا يسقط دفعة، بل يتزعزع بصمت كما يتشطر الزجاج الصغير.
مع هذا التضارب، بدأت تعرف الحيلة على صورتها الخاصة. لم تعد تقول هذا حلمنا، بل صار يُفهم منها هذا هو مسارها. وكلما ارتفع صوتها في الفضاء العام، خفتت أصوات أخرى، لا بقرار مكتوب، بل بثقل الحضور وهيبة الصف. وهكذا ضاق الهواء شيئًا فشيئًا، لأن المجتمعات لا تضعف حين تختلف أحلامها، بل حين يُفرض عليها حلم واحد.
ومن هنا بدأ التفكك الحقيقي؛ إذ حين يُقدَّم الولاء على الكفاءة، ويؤجَّل النقد باسم المرحلة، وتُعتبر الأسئلة نشازًا، تتجمع الصدوع الصغيرة حتى تصير تصدعات أعمق. وعندما جاءت أول ريح اختبار، لم تكن الأعنف، لكن البناء لم يكن متماسكًا كما بدا في المشهد.
تمكنت الحية في أماكن كثيرة، حيث كبرت مطامعها لمزيد من النفوذ والقصور الفاخرة. أثرت على الأسرة الواحدة في كل الأوطان التي دخلتها؛ جذبت الولاء لنفسها، وأشعلت التنافر بين الأسر، حتى ضاعت القيم والعلاقات الطيبة، وتحطمت أواصر المحبة. ومع كل خطوة نحو التمركز، كانت تترك خلفها بيوتًا مدمرة وحياة مشتتة وأحلامًا لم تتحقق. ثم قررت أن يمتد نفوذها إلى أرض صلبة، معروفة بصرامتها وبنظامٍ لا يقبل الخداع. ظنت أن الحيل نفسها ستنجح، لكنها لم تدرك أن الأرض تغيّر شكل الزرع، ولا تقبل إنبات بذور المكر على تربتها الطاهرة.
لم تكن المواجهة صاخبة في البداية؛ كانت مراقبة، ثم محاصرة وتفكيك، حتى انكشف زيف الحية الرقطاء المتلبسة بمظاهر القوة. توقفت اللقاءات، وتفرقت الصفوف، وسقطت الزينة المفتعلة، لا بريح عابرة، بل بقرار كشف زيف الحية الرقطاء في سمومها واجتث من جذوره، وانتهى العرس المزعوم ولم تكتمل أركانه على أرض السلام والعدل وقبلة المسلمين .
0



