المقالات

اللهم اجعل الكون هدنة وسلام

حين تضطرب الأزمنة، وتتزاحم الأخبار، وتعلو الأصوات حتى تكاد تحجب الرؤية، نحتاج أن نستعيد ميزاننا الداخلي. فالأمن ليس أمرًا عاديًا، بل نعمة إذا استقرّت عرفنا معناها، وإذا اهتزّت أدركنا قدرها. والوطن ليس حدودًا مرسومة، بل أمانة ومسؤولية، ودعاؤنا له ليس ضعفًا، بل يقينٌ بأن وراء كل حدث تدبيرًا.

ما يجري في بعض الأوطان اليوم يذكّرنا بأن الاستقرار فضل، وأن الأمة — مهما تباعدت أرضها — يجمعها وجعٌ واحد ورجاء واحد. فالمحن لا تسأل عن الجغرافيا، بل تختبر القلوب.

وقد قال رسول الله ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا».
لم يقل كالحجارة المتجاورة، بل كبنيانٍ مترابط، لا يقف بعضه إلا بثبات بعضه. فالقوة ليست في العلو، بل في التماسك، وليست في الصوت، بل في السند.

في أوقات السعة، تكبر الخلافات الصغيرة، وتتمدد التفاصيل حتى تبدو كأنها قضايا كبرى. لكن حين تأتي المحن الكبيرة، تنكشف المقاييس، وندرك أن ما فرّقنا كان أقل شأنًا مما يجمعنا. فالأزمات تُسقط الهامش، وتعيدنا إلى الجوهر.

لسنا مطالبين أن نتشابه في آرائنا، لكننا مطالبون أن نتماسك في مصيرنا.
لسنا ملزمين بإلغاء اختلافنا، لكننا مسؤولون أن لا نجعله سبب ضعفنا.
فالبنيان لا يسأل الحجر المجاور عن شكله، بل عن ثباته. ولا يهتم بلونه، بل بقدرته على الاحتمال.

وسط هذا الاضطراب، لا نختار الفزع، ولا نغذّي الشقاق. نختار الثبات، لأن الثبات في زمن الفتن عبادة، ونختار الدعاء، لأن الدعاء إعلان ثقة لا استسلام.

اللهم احفظ وطننا، وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار، واجعل أرضه دار طمأنينة وسلام، ووفّق قيادته لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم احفظ الأمة الإسلامية، وألّف بين قلوبها، وارفع عنها البلاء، واجعل قوتها في عدلها، ووحدتها في حكمتها، ونجاتها في رجوعها إليك.

العالم يموج، لكن المؤمن لا يضيع، لأن يقينه أرسخ من العاصفة، ورجاءه أوسع من الخوف.

اللهم اجعل الكون هدنة وسلام

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى