المقالات

وحدة الإعلام الخليجي… درع استقرار المنطقة

في اللحظات التي تتزايد فيها التحديات الإقليمية وتتصاعد فيها الأخطار، لا يكون الإعلام مجرد ناقلٍ للأحداث، بل يتحول إلى خط دفاع متقدم يحمي الوعي ويحصّن المجتمعات، ويمنع خصوم المنطقة من التسلل إلى العقول قبل الحدود. ولعل ما طرحناه بالأمس في مقال «الإعلام في زمن الأزمات… حياد مهني أم ارتباك في البوصلة؟» يجد اليوم امتداده الطبيعي في دعوة وزير الإعلام سلمان الدوسري إلى توحيد الخطاب الإعلامي بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهي دعوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الإعلام في لحظات التوتر الإقليمي لم يعد مجرد ناقلٍ للخبر، بل جزء من منظومة حماية الوعي وتعزيز الثقة بالموقف الخليجي المشترك.
غير أن الصورة على الأرض لا تبدو متماسكة بالقدر الذي تتطلبه هذه اللحظة. المشكلة اليوم ليست في وفرة المنابر الإعلامية… بل في اختلاف البوصلة بينها. فالمتابع للمشهد الإعلامي الخليجي يلاحظ تبايناً واضحاً في طريقة تعاطي القنوات الفضائية مع الأزمة الحالية: بعض القنوات تتناول الأحداث الوطنية ضمن نطاقها الجغرافي الضيق، لكنها تتعامل معها بضعفٍ لا يواكب تطلعات المتابعين الذين يبحثون عن خطاب إعلامي يطمئن ويعكس قوة الموقف. قنوات أخرى تكاد تتجاهل الأحداث إلى حدٍ كبير، مستمرة في برامجها المعتادة وكأن المنطقة لا تمر بمرحلة استثنائية. أما الاتجاه الثالث، وهو الأكثر حضوراً، فيتعامل مع الأحداث بحيادٍ مبالغ فيه إلى درجة تجعل المشاهد في حيرة من أمره؛ فلا يكاد يدرك لأي دولة تنتمي تلك القنوات أو أي موقف تعبّر عنه في لحظة تحتاج إلى وضوح الرسالة وقوة البوصلة.
هذا التباين لا يربك المتابع فحسب، بل يضعف أيضاً قدرة الإعلام على أداء دوره في حماية الوعي العام وتعزيز الثقة في الموقف الخليجي المشترك، ويجعل الحاجة إلى خطاب إعلامي خليجي أكثر تنسيقاً وتماسكاً ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالإعلام اليوم لم يعد مجرد منصات للبث أو صفحات لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم أدوات التأثير المعنوي، بل وربما أحد أبرز ميادين الصراع في المنطقة. فالمعركة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والتحليل، وبالقدرة على تشكيل الرأي العام وتوجيهه. وفي هذا السياق، فإن توحيد الطرح الإعلامي بين دول الخليج لم يعد ترفاً، بل ضرورة تمليها طبيعة المرحلة. فالأخطار التي تستهدف أمن المنطقة لا تفرّق بين دولةٍ وأخرى، كما أن محاولات التشويش الإعلامي تسعى دائماً إلى ضرب الثقة بين الشعوب وقياداتها وإثارة الشكوك داخل البيت الخليجي.
المطلوب اليوم من الإعلاميين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو الابتعاد عن النزعات الفردية أو الانشغال بالخلافات الجانبية، وتجاوز استدعاء التاريخ في غير موضعه، والالتزام بالقاعدة الكبرى: حماية أمن دول الخليج واستقرارها، وتعزيز وعي الشعوب بحساسية المرحلة. ولكي يتحول هذا التوجه إلى عملٍ ملموس، يمكن اتخاذ خطوات عملية، من بينها:
· تنسيق الرسائل الإعلامية بين القنوات الفضائية الخليجية بما يعكس وحدة الموقف ويبرز المصالح المشتركة.
· إطلاق برامج حوارية مشتركة تجمع إعلاميين ومحللين من مختلف دول الخليج لتعزيز شعور المشاهد بوحدة الصف.
· تخصيص مساحات في الصحف والمنصات الرقمية لتسليط الضوء على نماذج التعاون وقصص النجاح المشتركة.
· مواجهة الحملات الإعلامية المضللة بسرعة واحترافية عبر فرق متخصصة لرصد الشائعات وتفنيدها قبل انتشارها.
إن قوة الخليج لم تكن يوماً في قدراته الاقتصادية أو العسكرية فقط، بل في تماسكه الداخلي ووحدة موقفه. والإعلام، حين يعي هذه الحقيقة، يصبح شريكاً في حماية الاستقرار وصناعة الطمأنينة. وفي زمن الأزمات لا يكون الإعلام مجرد شاشة تنقل الخبر، بل بوصلة توجه الوعي وتصنع المزاج العام. وحين تتوحد البوصلة الإعلامية الخليجية، يصبح صوت الخليج أكثر قدرة على مواجهة حملات التشويش وأكثر طمأنة لشعوبه بأن البيت الخليجي يقف صفاً واحداً في حماية أمنه واستقراره. القنوات قد تختلف في أساليبها، لكن الرسالة يجب أن تبقى واحدة: إعلام مهني واعٍ يدرك حساسية اللحظة، ويعزز الثقة، ويحصّن الوعي في مواجهة كل ما يستهدف أمن الخليج واستقراره.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى