أفاق المجتمع الخليجي ذات صباح على حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وأصبحنا مأسرين بوسائل الإعلام، حواسنا ترقب المشهد الحربي هنا وهناك. فلم نحسد فيها منتصرًا، ولم نشفق على منهزم، ولم يمضِ وقت طويل من الترقب ورصد الأحداث حتى انسدل القناع، وتجلّت حقيقة تلك القواعد الأجنبية المستضافة في دول الخليج، التي لم تأتِ لحمايتهم من جيرانهم أو من أعدائهم، بل أتت لأهداف أخرى لم تُحط سياسة الاستضافة بأبعادها، فأضحت حربًا عليهم.
لقد كشفت هذه الحرب المستور في العلاقات الدولية؛ فلم يشفع لعُمان ذلك الانسجام وتلك الحميمية في علاقاتها مع إيران، فكنا نزعم أنها ستكون بمنأى عن أي اعتداء إيراني، لكن صفعة الواقع بددت ضبابية التقية العدائية الفارسية.
ولم يشفع التطبيع بين أبوظبي وتل أبيب في دحر الاعتداء على الأولى من قبل إيران، فلم نرَ في أتون هذه الحرب ما يدل على اهتمام تل أبيب بأبوظبي وما نالها من جراء تلك العلاقة، ولا أفشي سرًا إن زعمت أن الحقبة الخالية كانت توحي بسلاسة العلاقات بين طهران وأبوظبي.
ونالت السعودية ما نالها من الغدر الإيراني في الوقت الذي كانت تدافع فيه عن إيران أمام قرارات الرئاسة الأمريكية، وترفض الاعتداء عليها، بل ورفضت العبور من خلال أجوائها لمهاجمة إيران.
لقد أماطت هذه الحرب اللثام أمام أربع حقائق:
الأولى: تأكيد القناعة أن إيران لا عهد لها ولا ذمة، لا يؤمن جانبها، ولا تتجرد من خيانتها، ولا تلتزم بكل تعهداتها.
الثانية: أن من كنا نظن صدقهم وصداقتهم كانوا يحيكون للخليج الخطط لإدراجهم والزج بهم ضمن المواجهة مع إيران، حتى إذا ما انسحبوا منها تركوا الحرب بين ضفتي الخليج ليأخذوا دور تجار السلاح الذي يجيدونه، لإذكاء النزاع وإشعال جذوته كلما خبت.
الثالثة: أن إسرائيل ككيان، والليكود كحزب، ونتنياهو كرئيس، لا يوفون بأي تطبيع، ولا يلتزمون بأي اتفاقية، ولا يخضعون لأي منطق أو ضمير، ولا ينصاعون لأي قرار للمنظمة الأممية.
الرابعة: أن ما يربط بين شعوب دول الخليج وقياداتها أكبر وأعظم وأوثق من أي علاقة تربطها مع أي دولة خارج المحيط الخليجي.
لقد عشنا مرحلة اختلفت فيها سياساتنا، واختلفت معها مشاعرنا، وتهاوت ثقتنا ببعضنا أمام ترهات السياسة ومغريات الاختلاف، فوجدنا حقيقة ما يربطنا ببعضنا عندما أزكمت أنوفنا رائحة الخيانة بالوعود والدم بالبارود، فاصطبغ المشهد بطبيعة وأصالة العلاقة التي تربطنا ببعضنا. تناسينا خلافاتنا أمام مشاعر الأخوة والجوار، فلم تتوقف اتصالات قيادات الخليج ببعضهم، فسكتت مدافع الإعلام المأجور حين شعّ ضوء الحقيقة الأبلج.
إن سقوط مسيرات الخيانة الإيرانية على أبوظبي والمنامة والدوحة والكويت ومسقط قد آلم السعودية وقيادتها كما آلمهم، فلم تهدأ اتصالات القيادة – حفظها الله – بإخوانهم قادة الدول الخليجية، وكعادتها مع أشقائها في النوائب، قدمت الأمان والرعاية والضيافة لكل أبناء الخليج الذين تعطلت رحلاتهم وحبسهم حابس الطيران، ووهبت مطار القيصومة للطيران الكويتي ليمارس مسؤولياته والتزاماته ورحلاته من خلاله.
أيها الخليجيون، هل يجب أن تجتاح منطقة الخليج الحروب والأزمات كي نعرف حقيقة بعضنا، وينكشف أعداؤنا، وندرك أننا لسنا أعداء بعض، وأن الغريب لن يحمينا من بعضنا، بل هو من يزرع بيننا العداوة والبغضاء؟
رحم الله قادة الخليج العظماء الذين أسسوا مجلس التعاون، فقد كانوا يعقدون الآمال ويراهنون على البناء في مواجهة الأزمات.
نسأل الله ألا تخيب آمال شعوبهم في بناء هذا البيت الخليجي، الذي نأمل أن تتحطم فوق أعتابه – بعد اليوم – كل المشاعر السالبة للمحبة والوفاء والانتماء.
فإذا كان بعض الضر نافعًا، فقد نجد في ثنايا شر هذه الحرب جلاءً للحقيقة الأخوية النقية التي استترت ردحًا من الزمن، والأمل معقود على مؤسسات الحكم الخليجية وشعوبها – بعد أن تضع الحرب أوزارها – في إعادة صياغة العلاقات الخليجية وترميم البيت السياسي الخليجي لمواجهة كل الأخطار المحدقة المقبلة.
فلن يهدأ أعداؤكم أيها الخليجيون حتى ينالوا ما يريدون.
حفظ الله الأمة الخليجية، ووحّد كلمتهم على الحق والخير والسلام