اتفق المتضررون من تداعيات الحرب على ضرورة هدنة مؤقتة لإطلاق النار، بينما تباينوا في ترجمتها على واقعهم؛ فتركّزت النار على جغرافيا أخرى من الجسد العربي. فمن كانت سفنهم محتجزة في الخليج، كان خروجها من المضيق إلى البحر العربي غرة النصر لديهم، ومن كانوا يعيشون تحت وابل الصواريخ والمسيّرات، كان اختفاؤها – ولو مؤقتًا – هو النصر الذي يأملونه.
إن فتيل هذه الحرب لم يُشعل لمصلحة الخليج، أو المنطقة العربية، أو حتى لحماية الملاحة الدولية في الخليج العربي؛ بل أُشعل لحماية الربيبة الغربية من خطر الصواريخ الإيرانية ووكلائها المخلصين.
لا ندافع عن إيران، فهي أشد خطرًا، بل قد تفوق خطر إسرائيل على الأمة العربية؛ فوقود عدائها أكثر فتكًا من اليورانيوم المخصّب الذي لديها، إذ يحمل طابعًا مزدوجًا: عرقيًا وطائفيًا.
وبعد أن أفرغ أطراف النزال مخزون ترساناتهم خلال الأسابيع الماضية فوق رؤوس الشعوب، يطفو ذلك السؤال: هل حقق كلٌّ منهم أهدافه؟ وهل تعادل نفقات الحرب ثمن تلك الأهداف؟
الجميع يبحث عن النصر، ولا يلتفت – ولو مؤقتًا – إلى كلفته. فما تحقق على أرض الواقع حتى الآن لا يمكن الجزم معه بنصر كامل لأي طرف، ولا بهزيمة كاملة كذلك؛ فالنصر في هذه الحرب جزئي، والهزيمة جزئية أيضًا. لذلك ستنتقل الحرب – بعد ذلك – إلى الطاولات، بحثًا عن نصر لم يحققه الميدان.
فالرئيس الأمريكي وضع بنود الاتفاق، والإيرانيون لديهم بنودهم، والإسرائيليون كذلك يحملون بنودهم إلى طاولة التفاوض. والمنطق الحربي الذي تؤمن به العقيدة العسكرية يرى أن المنتصر ميدانيًا يكون – في العادة – هو المنتصر تفاوضيًا، لكن هذا المنطق لا سبيل لتطبيقه هنا؛ فلا منتصر ميدانيًا، ولا رأينا أعلامًا بيضاء قد رُفعت، لذلك ستكون النتائج ذات وجهين: أحدهما معلن، والآخر غير معلن.
ذكرت في مقال سابق أن الإيرانيين سيوقعون اتفاقًا مع الأمريكيين، وستمنحهم أمريكا قطعة صغيرة من “علم النصر” ليُلوّح بها الحرس الثوري أمام الشعب المنهك اقتصاديًا والمغلوب على أمره، عبر الاستجابة لبعض ما طرحوه من بنود، وأهمها رفع العقوبات، وهو ما سيحسّن صورة الحرس الثوري في الشارع الإيراني المحتقن.
لكن ماذا عن بند بتر علاقة إيران بالميليشيات في لبنان واليمن؟ هذا البند هو الذي أخذ – وسيأخذ – وقتًا وجهدًا في نقاشه، لأن الإسرائيليين لن يقبلوا ببقاء تلك العلاقة التي تهددهم. والأهم في بنود الاتفاق لدى الأمريكيين – كما ذكرت سلفًا – البند (A)، الذي سيتم التوقيع عليه لاحقًا في واشنطن بين الأمريكيين والحرس الثوري دون فلاشات.
فما المتوقع بعد ذلك، عندما تُبتر يد إيران من محيطها العربي الآسيوي؟ من يعرف الفلسفة الثورية في إيران ومنطلقاتها، يدرك أنها ستتجه إلى القارة الإفريقية، من قرنها إلى شمالها، للبحث عن بيئة جديدة مناسبة لزراعة فكر طائفي بقناع جديد، يسهل من خلاله تصدير الثورة؛ فهم يملكون خبرة ونفسًا طويلًا في صناعة الوكلاء.
لقد دفع لبنان – ولا يزال – ثمن صمته عن نمو المشروع الإيراني حتى استفحل، وأصبح ماردًا لا تقوى الدولة اللبنانية على مواجهته أو مواجهة أضراره. وسيدفع اليمنيون ثمنًا غير بخس إن استمروا في الصمت على هذه النسخة القميئة من الممارسة الفارسية في لبنان. ولعل العقلاء في المجتمعات الإفريقية، التي ستكون وجهة البوصلة الإيرانية، يدركون مغبة المغامرة والمقامرة



