في كل مرة تمر المنطقة العربية بأزمة كبرى، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: أين دور المنظمات الإقليمية؟ وأين موقع الأمين العام في معادلة إدارة الأزمات؟
فالأمين العام ليس مجرد موظف إداري يوقّع البيانات أو يدير الاجتماعات، بل يفترض أن يكون ضمير المؤسسة ومحركها السياسي والدبلوماسي، وصوتها في لحظات الارتباك، ووسيطها عندما تتصاعد الخلافات.
لكن المشهد العربي في السنوات الأخيرة كشف فجوة واضحة بين حجم المنصب ومستوى التأثير.
فجامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945 بإعتبارها إطارًا جامعًا للعالم العربي، تبدو اليوم أقل حضورًا في إدارة الأزمات مقارنة بما يفترض أن يكون عليه دورها التاريخي.
ورغم الجهود التي يبذلها أمينها العام أحمد أبو الغيط، إلا أن السؤال يبقى مطروحًا: هل تحولت الجامعة إلى منصة بيانات سياسية أكثر من كونها مؤسسة فاعلة في صناعة الحلول؟
في المقابل، يملك مجلس التعاون لدول الخليج العربية تجربة مختلفة نسبيًا؛ إذ يتمتع بدرجة أعلى من التوافق بين أعضائه، وهو ما يمنح أمينه العام جاسم محمد البديوي مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي وتنسيق السياسات، خصوصًا في الملفات الأمنية والاقتصادية.
لكن حتى هذه المؤسسة، رغم أهميتها الاستراتيجية، لا تزال تواجه تحديًا أساسيًا: الانتقال من التنسيق السياسي إلى التأثير الإقليمي الحقيقي.
وعند النظر إلى التجربة الدولية، يظهر نموذج الأمين العام لـ الأمم المتحدة مثل أنطونيو غوتيريش، الذي يتحرك في مساحة أوسع إعلاميًا ودبلوماسيًا، ويقدم مبادرات سياسية وإنسانية في الأزمات العالمية.
ومع ذلك، فإن حتى هذا المنصب الرفيع يبقى مقيدًا بتوازنات القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.
هذه المقارنة تكشف حقيقة مهمة: قوة الأمين العام لا تنبع من المنصب وحده، بل من قدرته على تحويل المؤسسة إلى منصة تأثير سياسي.ولا سيما في لحظات الأزمات الكبرى، يصبح دور الأمين العام أكثر حساسية.وهنا ليس المطلوب منه إصدار بيانات التنديد أو الدعوة إلى الاجتماعات الطارئة فحسب، بل:
• التحرك بين العواصم لتقريب وجهات النظر.
• إطلاق مبادرات سياسية تعيد فتح مسارات الحل.
• توحيد الخطاب الإعلامي للمنظمة في مواجهة الفوضى السياسية والإعلامية.
• تحويل المنظمة إلى لاعب دبلوماسي لا مجرد منصة بيروقراطية.
ولهذا فإن تقييم أي أمين عام يجب أن يقوم على معيار واحد بسيط:
هل استطاع أن يجعل المنظمة أكثر تأثيرًا مما كانت عليه قبل توليه المنصب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن وجوده يضيف قيمة حقيقية للمؤسسة.
أما إذا ظل دور المنظمة ثابتًا أو تراجع تأثيرها، فهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:
هل يكفي البقاء في المنصب دون تحقيق تأثير حقيقي؟
المطالبة بالاستقالة في مثل هذه الحالات ليست بالضرورة موقفًا عدائيًا، بل قد تكون جزءًا من ثقافة المسؤولية السياسية.
ففي المؤسسات الدولية الكبرى، كثيرًا ما تكون الاستقالة تعبيرًا عن إدراك أن المرحلة تحتاج إلى قيادة مختلفة أو رؤية جديدة.
صحيح أن ضعف دور المنظمات العربية لا يرتبط بالأمناء العامين وحدهم، بل يرتبط أساسًا بمدى الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء. فالأمين العام، بحكم طبيعة هذه المؤسسات، لا يمتلك سلطة فرض القرار، بل يعمل داخل مساحة تحددها الدول نفسها، وتبقى قراراته في كثير من الأحيان مرهونة بالتوافق السياسي بين العواصم.
لكن في المقابل، تبقى القيادة الحقيقية قادرة على توسيع هذه المساحة. فالتاريخ السياسي للمؤسسات الدولية يثبت أن الأدوار القيادية لا تُبنى فقط على الصلاحيات المكتوبة، بل على القدرة على التأثير وصناعة المبادرة. ولهذا يقال دائمًا إن الصلاحيات في السياسة تُنتزع ولا تُمنح.
ولهذا فإن استعادة الدور العربي أو الخليجي الفاعل تبدأ أولًا من قرار سياسي جماعي بإحياء العمل المؤسسي المشترك، ثم اختيار شخصية قادرة على تحويل الأمانة العامة إلى منصة دبلوماسية نشطة.
ختامًا
المنصب في نهاية المطاف ليس لقبًا بروتوكوليًا فقط، بل مسؤولية تاريخية، وفي الطروف الصعبة التي تشهدها المنطقة، يجب أن يكون الأمين العام صانعًا للحضور والتأثير. فالتاريخ لا يتذكر عدد البيانات التي صدرت،بقدر ما يتذكر من استطاع أن يصنع الفرق عندما كانت المنطقة تحتاج إلى صوتٍ يجمعها.
زر الذهاب إلى الأعلى
في الحقيقة هناك بعض الكتاب من يسطر بقلمه حقائق ونقاط لايمكن تجاوزها…
وانت أستاذ عبدالله ابدعت واجدت بذكر مرجعيه شامله لما يتمناه كل مواطن عربي من جدوى وحلول الامين العام لجامعة الدول العربية..
فقد عشنا حقبه من الزمن لم نعرف من منصب الامين العام الا الرتوش الاجرائيه والعمل الروتيني رغم ما يتمتع به المنصب من قدّره هائله على تغيير كثير من الامور من الشجب والاستنكار الى جمع كلمة الجميع ويكون صوت العرب المسموع في ما بينهم وفي العالم اجمع والعمل الجاد بفكر واعي بعيد عن هوية من يشغله
فصوته لن يكون مسموع طالما تقوقع داخل دائره الشجب والاستنكار..
ان منصب الامين العام يحتاج الى اعادة هيكله وان يكون ذو جدوى فاعله يحسب له الجميع بقوة الحجه واتخاذ القرار الصحيح للجميع…
وفقكم الله استاذ عبدالله الذي فتحتوا واقع عربي مؤلم يحتاج الى انعاش لاعادة الحياه للعرب من داخل جامعتهم ومنصتهم الكبرى…
تقبل دعواتي..