المقالات

رسالة إلى الصامتين والشامتين

استفتحت هذا المقال بالعبارات الظاهرة علنًا والمنسوبة إلى تغريدة للدكتور سعد بن طفلة التي قال فيها: إلى الصامتين والشامتين من إخوتنا العرب نطمئنكم نحن بخير شكرًا لسؤالكم. ولم تكن هذه الكلمات مجرد افتتاح عابر، بل بدت خلاصة مكثفة لمرارة اللحظة العربية بما تحمله من سخرية لاذعة تكشف التناقض بين ضجيج الخطاب وخفوت الموقف، وبين شعارات النصرة وواقع الصمت الطويل.

في هذه العبارة يتكثف وجع عربي ثقيل. فالمأساة ليست في العدوان وحده، بل في ذلك الصمت الذي يحيط بالخراب ويمنحه قسوة إضافية. حين تُقصف المدن وتنهار البيوت وتتوالى مشاهد الدمار، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما فعله العدو، بل يمتد إلى من يفترض أن تجمعنا بهم روابط الدم واللغة والتاريخ والمصير.

وحين نقول نحن بخير، فإننا لا نقولها طمأنة بقدر ما نقولها دفاعًا عن الكرامة. فبعض الشعوب، مهما اشتد وجعها، تأنف أن تعرض جراحها في سوق الشفقة، وترفض أن تمنح المتفرجين لذة رؤية الانكسار كاملًا. إنها عبارة ظاهرها التماسك وباطنها إدانة لزمن اختلت فيه الموازين، زمن صارت فيه الكلمة أسهل من الموقف، والشعار أعلى صوتًا من الفعل.

وإذا كان العدوان متوقعًا من خصم لا يخفي عداوته، فإن الخذلان يبقى أشد إيلامًا لأنه يأتي من القريب قبل البعيد. ولم يقف الأمر عند حدود الصمت البارد، بل تجاوزه عند بعض الأصوات إلى التشفي والشماتة، وكأن المصاب العربي صار مناسبة لتصفية الحسابات لا باعثًا على النجدة ولا موجبًا للمروءة.

والأشد مرارة أن المشهد بدا مقلوبًا على نحو فادح، إذ ظهر عند بعضهم اصطفاف متحمس مع إيران، وهي التي اعتدت على دول الخليج بصواريخها ومسيّراتها، بحماسة بدت عند كثيرين أشد مما ظهر يوم كانت غزة تسحق تحت النار. غير أن الواقع كشف جانبًا آخر من المشهد؛ فقد أظهرت منظومات الدفاع الخليجية قدرات متقدمة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات وتدميرها قبل أن تبلغ أهدافها، الأمر الذي منح المجتمعات الخليجية قدرًا أكبر من الطمأنينة وأفشل كثيرًا من الأثر الذي سعت إيران إلى تحقيقه عسكريًا ونفسيًا. وهنا تتجلى المفارقة التي ألمح إليها الدكتور سعد بن طفلة في معناها اللاسع حين يعلو الضجيج في غير موضعه وتشتعل الحماسات حيث تختلط الحسابات وتخفت حين يكون الوجع العربي في ذروته.

لقد كشفت المحن هشاشة كثير من الشعارات الكبيرة. سمعنا طويلًا عن القوة والردع ووحدة الصف، لكننا حين وقعت الكارثة لم نجد في الميدان إلا أصحاب الجرح أنفسهم. عندها تصبح السخرية أبلغ من الخطابة لأن الواقع أفصح من كل بيان.

ومع ذلك فإن هذه الرسالة لا تصدر عن روح مهزومة، بل عن مرارة واعية. فقولنا نحن باقون هنا ليس شعارًا عابرًا، بل موقف يؤكد أن الأرض لا تُسلَّم وأن الكرامة لا تُساوَم وأن الصمت المحيط بالمأساة لا يلغي حقيقتها بل يفضح أصحابه.

ويبقى الأمل معقودًا على حكمة قادة دول الخليج وعلى ما عُرف عنهم من وعي بطبيعة المرحلة وصلابة في مواجهة التحديات. فالمنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى مزيد من التماسك والتلاحم وتوحيد المواقف وإعادة ترتيب الأولويات بما يحفظ أمنها واستقرارها ويصون مصالح شعوبها. إن قوة الخليج في وحدته، وحكمته في تماسك صفه، وقدرته في وضوح رؤيته، عناصر كفيلة بأن تعيد التوازن إلى المنطقة وتفتح أفقًا جديدًا للأمن والاستقرار والتنمية

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى