الأيام التاريخية في حياة الأمم ليست مجرد أرقام في التقويم، بل هي “نقاط تحول” تترجم عبقرية القيادة إلى واقع ملموس، وتتحول فيها الأحلام الكبرى إلى هوية وطنية جامعة تصيغ مستقبل الأجيال. وذلك ما حدث بالضبط حين أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله- أمراً ملكياً بأن يتولى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولاية العهد، وذلك في يوم مشرق ميمون من أيام شهر رمضان المبارك، ألا وهو يوم 26 رمضان 1438هـ (الموافق 21 يونيو 2017م).
تسع سنوات إذن مرت على هذه الذكرى الغالية على قلب كل أبناء المملكة، وهي ذكرى لا تمثل مجرد تسلسل إداري في هيكل الدولة، بل تؤرخ لبداية “نهضة سعودية كبرى” غيرت ملامح المنطقة ورسمت خارطة طريق لمستقبل لا يعرف المستحيل. منذ ذلك اليوم المشهود، والمملكة العربية السعودية تسابق الزمن في ورشة عمل عالمية مفتوحة، يقودها شاب آمن بأن “عنان السماء” هو حدود الطموح.
وإذا أردنا رصد ملخص لإنجازات سمو ولي العهد خلال تلك السنوات لاوجدنا الكثير والكثير مما لا يتسع المجال لرصده، ولكن لنبدأ بـ “رؤية المملكة 2030″، والتي أطلقها سموه في (25 أبريل 2016م)، وهذه الرؤية الفذة ليست مجرد خطة اقتصادية، بل كانت تحولاً هيكلياً شاملًا أعاد صياغة مفهوم الدولة الحديثة، حيثاعتمدت الرؤية على ثلاثة محاور أساسية:
– مجتمع حيوي: عبر تمكين المرأة، وفتح آفاق الثقافة والترفيه، ورفع جودة الحياة.
– اقتصاد مزدهر: بتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وتطوير صندوق الاستثمارات العامة ليصبح محركاً عالمياً.
– وطن طموح: من خلال التحول الرقمي الشامل ومكافحة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية.
وخلال السنوات الماضية، تحولت مدن المملكة إلى منصات للابتكار. فمشروع “نيوم” ومدينة “ذا لاين” ليسا مجرد مشاريع عقارية، بل هما إعادة تعريف للعيش الحضري المستدام. وفي الجانب الرياضي والسياسي، أصبحت الرياض وجهة العالم، من استضافة “إكسبو 2030” إلى الاستعداد لتنظيم “كأس العالم 2034″، مما يعكس الثقة الدولية الهائلة في قدرة القيادة السعودية.
“نحن لا نحلم، نحن نحقق”؛ كلمات لخصت فلسفة الأمير محمد بن سلمان في إدارة الدولة، حيث انتقلت المملكة من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “المبادرة” وصناعة الحدث العالمي.
أما على الصعيد الدولي، فقد رسخ سمو ولي العهد مكانة المملكة كلاعب أساسي في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. وبفضل دبلوماسية “المصالح المشتركة”، استطاعت المملكة بناء جسور متينة مع الشرق والغرب، مع الحفاظ على عمقها العربي والإسلامي كقائد وقطب أساسي في المنطقة.
ومن ناحية أخرى، يُولي سمو ولي العهد اهتماماً استثنائياً بملف الحج والعمرة، حيث وضع هذا الملف في قلب “رؤية 2030” عبر إطلاق برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وهو ما أدى إلى إحداث نقلة نوعية في تجربة الحاج والمعتمر، من خلال توسعة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وتطوير البنية التحتية والمرافق اللوجستية، بما في ذلك قطار الحرمين السريع وتطوير المطارات لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 30 مليون معتمر سنوياً.
كما يركز سموه على “أنسنة” الخدمات وتوظيف التقنيات الذكية، مثل بطاقة شعائر والمنصات الرقمية الموحدة، لتسهيل إجراءات التأشيرات والزيارة بيسر وطمأنينة. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب التنظيمي فحسب، بل يمتد ليشمل الحفاظ على الهوية الإسلامية والمعمارية للمواقع التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية، لضمان تقديم تجربة إيمانية وثقافية متكاملة تليق بمكانة المملكة كقبلة للمسلمين.
إن ذكرى البيعة التاسعة لسمو ولي العهد في هذا الشهر الفضيل هي فرصة لتجديد الولاء والانتماء لوطن ينمو ويزدهر. إنها مناسبة لنستذكر فيها كيف تحولت التحديات إلى فرص، وكيف أصبح الشاب السعودي اليوم يفخر بهويته وبمنجزات بلاده في كل محفل دولي. إننا اليوم لا نحتفي بذكرى تولي منصب، بل نحتفي بميلاد فجر جديد للمملكة العربية السعودية.
وأخيراً .. وبهذه المناسبة الغالية.. نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله-، وإلى الشعب السعودي النبيل.. وكل عام ومملكتنا الغالية في أبهى مكانة.






