
كثرة الحركة لا تعني بالضرورة وجود اتجاه. هذه الفكرة البسيطة تقف في قلب استعارة سياسية شائعة في الخطاب الغربي، وهي “الدجاجة بلا رأس” (Headless Chicken). أصل التعبير مشهد بيولوجي معروف: بعد قطع رأس الدجاجة، قد تستمر في الجري لبضع لحظات رغم فقدانها مركز التحكم الأساسي. ومع الوقت تحول هذا المشهد إلى استعارة سياسية تصف الأفراد والمؤسسات والدول التي تتحرك بكثافة، لكن دون رؤية استراتيجية واضحة أو نتائج حقيقية. في الأدبيات السياسية، تُستعمل هذه المقولة للإشارة إلى السلوك الذي يجمع بين النشاط المكثف والافتقار إلى التخطيط. فالدولة أو القيادة التي تتصرف كـ”دجاجة بلا رأس” قد تبدو نشطة ومندفعة، لكنها في الحقيقة تتحرك بردود فعل متتالية دون هدف نهائي أو تصور متكامل للمستقبل. وهذا النمط لا يحل الأزمات بل يُغذيها، لأن القرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة لا ضمن إطار استراتيجي طويل المدى.
عند إسقاط هذه الاستعارة على الصراع الإيراني الإسرائيلي، لا يمكن تجاهل أن بعض ملامح هذا الوصف تنطبق بشكل لافت على طريقة إدارة الصراع بين الطرفين. والأهم من ذلك أن هذا الانطباق لا يعني غياب الاستراتيجية الكاملة عند أي منهما، بل يعني أن بنية الصراع نفسها تدفعهما أحياناً إلى سلوك الدجاجة حتى وهما يعتقدان أنهما يتحركان باتجاه محدد. فالصراع بين البلدين ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم عقود من العداء الأيديولوجي والتنافس الإقليمي الذي تحول مع الوقت إلى نمط ثابت يصعب كسره.
إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الوجودي الأول، وتتصرف بناءً على هذه القناعة بشكل مستمر. ففي عام 2007 دمرت ضربة جوية إسرائيلية مفاعلاً نووياً في سوريا يُعتقد أنه بُني بمساعدة إيرانية. وفي السنوات التالية تواترت عمليات الاغتيال التي طالت علماء نوويين إيرانيين، من بينهم محسن فخري زادة عام 2020 الذي وُصف بأنه “أبو القنبلة الإيرانية”. وعلى امتداد سنوات، نفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية في سوريا لاستهداف الشحنات الإيرانية للأسلحة المتجهة إلى حزب الله. وفي أكتوبر 2024 شنت ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية رداً على هجمات صاروخية إيرانية. هذه التحركات تبدو استراتيجية بامتياز، لكنها لم تُفضِ حتى الآن إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني ولا إلى إنهاء شبكة حزب الله، بل إن بعض المحللين يرون أنها أحياناً دفعت إيران إلى تسريع جدولها الزمني النووي بدلاً من تجميده.
إيران من جانبها تتبنى مبدأ “الصبر الاستراتيجي” وتعمل عبر ما يُسميه قادتها “محور المقاومة”: حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق وسوريا وغزة. هذا النظام يمنحها قدرة إنكار معقولة ويوزع المخاطر على جبهات متعددة بعيداً عن أراضيها. لكن عندما يُضرب هذا النظام، كما حدث في تدمير كوادر حزب الله عام 2024 وإضعاف الفصائل السورية بعد سقوط الأسد، تجد إيران نفسها أمام خيارات مؤلمة جميعها: الرد المباشر الذي تتجنبه لأنه يكشفها، أو التراجع الذي يُضعف ردعها أمام حلفائها وخصومها معاً، أو إعادة بناء الشبكة من جديد في دوامة مكلفة لا تنتهي.
هنا يكمن جوهر المشكلة. الطرفان لا يفتقران إلى الذكاء أو الاستراتيجية، فكلاهما يمتلك مؤسسات عسكرية واستخباراتية ورؤية لمصالحه. لكن بنية الصراع ذاتها تُنتج سلوكاً يشبه الدجاجة بلا رأس على المستوى الكلي، حتى حين يتصرف كل طرف بعقلانية على المستوى الجزئي. إسرائيل تؤمن أن كل ضربة تُعيق إيران وتردعها، وهذا صحيح جزئياً. لكن تراكم هذه الضربات على مدى عقود لم ينتج نظاماً إقليمياً أكثر أمناً، بل منطقة أكثر اشتعالاً وأقل قابلية للتنبؤ. وإيران تؤمن أن بناء شبكة الحلفاء يمنحها عمقاً استراتيجياً وورقة ضغط دائمة لا يمكن نزعها بسهولة، وهذا صحيح جزئياً أيضاً. لكن هذه الشبكة باتت تستنزفها مالياً في ظل اقتصاد منهك بالعقوبات، وتحوّل حلفاءها أحياناً إلى أعباء تتطلب دعماً مستمراً بدلاً من أن تكون رصيداً يُعزز موقفها.
والمجتمع الدولي بدوره لا يُحسن إدارة هذا الملف، إذ يتعامل معه غالباً بمنطق إخماد الحرائق لا بناء الجدران، فيتكرر المشهد دون تغيير جوهري: تصعيد، ثم تهدئة مؤقتة، ثم عودة إلى التوتر من نقطة أعلى من السابقة. القوى الكبرى تتدخل حين تشتعل الأزمة وتنسحب حين تهدأ، دون أن تسعى جدياً إلى معالجة الأسباب الجذرية التي تجعل هذا الصراع يتجدد في كل مرة. والنتيجة أن المنطقة تبقى عالقة في حلقة من الاستنزاف المتبادل: تتزايد المخاطر، وترتفع التكاليف الإنسانية والاقتصادية، ولا ينتصر أحد انتصاراً حاسماً، ولا يُهزم أحد هزيمة نهائية.
في النهاية، تكشف مقولة “الدجاجة بلا رأس” عن فكرة مهمة في فهم الصراعات السياسية، وهي أن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة وجود اتجاه. فقد تبدو الدول نشطة وقوية في تحركاتها العسكرية والسياسية، لكنها قد تكون في الواقع تدور داخل دائرة مغلقة من الأفعال وردود الأفعال. وعند إسقاط هذا المفهوم على الصراع بين إيران وإسرائيل، يظهر أن استمرار التوتر دون أفق واضح للحل يجعل المشهد الإقليمي أحياناً أقرب إلى حركة سريعة بلا نهاية محددة، حيث يستمر الجري بينما يبقى السؤال الأكبر دون جواب: إلى أين يتجه هذا الصراع في النهاية؟ وكيف يجب أن يكون موقف دول الجوار و خصوصا السعودية ؟.





