المقالات

الاستراتيجية السعودية في مواجهة العبث الإقليمي

تحدثت في مقالي السابق المعنون بـ “للصبر حدود: السعودية وسياسة ضبط النفس” الذي تمحور حول صبر السعودية وحكمتها في معالجة الأزمة مع دولة الإمارات الشقيقة والجارة العزيزة التي أبت الا أن تفجر صراعًا سيتحول حتمًا إلى أزمة عالمية إن لم تتراجع عن دورها الذي بات واضحاً للمجتمع الإقليمي و الدولي في تمزيق الدول العربية: اليمن، ليبيا، السودان، سورية، والصومال. ولا يمكن لذي لبّ أن يستوعب هذا الدور المستهجن من دولة عربية مسلمة إلا من خلال قراءة متأنية لما حدث في 13 أغسطس 2020، حين أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن موافقتها على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في اتفاقية تمّ الإعلان عنها في البيت الأبيض بعد شهور من التقارب بين الدولتين، حيث تمّت لقاءات سرية بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين. واتفق الطرفان على تطبيع العلاقات وفتح خطوط جوية مباشرة حتى بلغ عدد الرحلات بين الإمارات وتل أبيب مؤخرًا خمس رحلات يوميًا، كما أدى الاتفاق إلى تعزيز التعاون في مجالات متعددة بما في ذلك الاقتصاد والتجارة والسياحة والتكنولوجيا. كما تمّ الإعلان عن تعاون بين الشركتين الإماراتية “APEX National Investment” والمجموعة الإسرائيلية “تيرا” في مجال أبحاث كوفيد19، وتطوّرت قبل أيام إلى تعاون وطيد في مجالات الصحة والتعليم وما لا يسع المجال للتعليق عليه في هذا المقال.

وعلى الرغم مما قامت به سياسة الاحتلال مما يعتبره العالم إبادة جماعية لمواطنين عزل على مدار عقود، يأتي قرار التطبيع الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنبوذ عالميًا بـ “الاتفاق التاريخي”، بينما قال وزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش إن الاتفاق يهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وعلى الرغم من تباين ردود الفعل العربية آنذاك إلا أن أحدًا ما لم يتوقّع أن تصل الأمور لتكون الإمارات هي اليد الخفية وراء أحداث وجرائم لا تقلّ بشاعة عمّا تقوم به إسرائيل نفسها، بل قد لا تجرؤ عليه. و هو ما وصفه كثيرون بأنه “خيانة” للقضية الفلسطينية والوحدة العربية.

إلا أنه بات من الواضح الآن أن هذا التقارب الذي أثار قلق العديد من الدول العربية والإسلامية، قد أصبح بالفعل مصدر تهديد للمصالح بل للأمن القومي للمنطقة بأسرها؛ إذ بدا واضحًا دعم حكومة أبوظبي للجماعات المسلحة التي تقوّض الأمن في ليبيا من خلال دعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في محاولته للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس. وقد تعدّى الدعم تقديم الأسلحة والذخيرة إلى الدعم الجوي واللوجستي. كذلك الأمر في السودان حيث تشير تقارير إلى دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، مما أدى إلى تصاعد الصراع بين هذه القوات والجيش السوداني. وقد أثار هذا الدعم قلقًا دوليًا من احتمال تفاقم الأوضاع الإنسانية في السودان. وليس اليمن بعيدًا عن هذا النهج فلم ينجُ من نية التمزيق والتفكك على يد الإمارات التي كانت طرفًا في التحالف العربي الذي يقاتل في اليمن منذ عام 2015. وقد بدا جليًا أن الإمارات تقوم بدعم الجماعات الانفصالية في جنوب اليمن، مما أدى إلى توترات مع الحكومة اليمنية الشرعية. ولو نظرنا إلى الصومال لوجدنا للإمارات يدًا تمدّ وترفد لتمزيقها رغم أنّها تعاني ويلات الحرب منذ عقود فقدمت دعمًا عسكريًا للجيش الصومالي لمحاربة حركة الشباب.

إنّ توسّع نفوذ الإمارات بالمنطقة من خلال دعم الجماعات المسلحة والانفصالية وإثارة الفتن والتطبيع مع العدو فيه خيانة لعهود الإسلام والعروبة من جهة، وتهديد للأمن والاستقرار في المنطقة العربية بأسرها من جهة أخرى. لذا فإنه من الواجب على الشرفاء في الخليج والعالم العربي بل والعالم بأسره الوقوف في وجه المشروع الإماراتي الصهيوني، وإيقاف انتهاك حقوق الإنسان الذي ترتكبه الجماعات المدعومة من الإمارات في كلّ الدول العربية التي تشهد صراعات كما أشارت تقارير كثيرة لمنظمات حقوقية دولية أبدت قلقها تجاه ما يحدث.

وعلى الرغم من تأثير هذا الموقف الإماراتي الخائن للعروبة والإسلام على الوحدة والتضامن العربيين إلا أنّ تأثيره على القضية الفلسطينية أكبر، فقد يؤدي هذا الدور إلى مزيد من التهميش للفلسطينيين وإلى زيادة الضغط عليهم في المفاوضات، و زيادة التوترات العسكرية وتصعيد الصراعات في المنطقة والتأثير على السيادة الوطنية لدول المنطقة. ولا يمكن لأحد أن يتجاوز القوة السعودية وريادتها العالمية في ملفات السلام العالمي وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها السعودية لمواقف معادية وصادمة من قبل “الجيران” وكانت في كل مرة تنهض أقوى مما كانت عليه مصداقاً لقوله تعالى ‏لَا “تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”

خلاصة القول وبكل موضوعية وفي خضم تحليل ما حدث في اليمن من خيانة -على مدار سنوات- بدأت تظهر بشكل جلي وواضح لـ”لتحالف” أن دور الامارات انتهى فعلياً، و أن صبر السعودية كذلك نفذ وأصبح مؤكداً أن المملكة ستواجه بحزم أطماع أبوظبي في محاولتها تفكيك المنطقة العربية. كما تؤكد المملكة على دورها السيادي؛ فهي ليست دولة نفط بالمعنى التقليدي، بل هي دولة تعيد تعريف مفهوم القوة، من مجرد امتلاك الموارد إلى هندسة المسارات السياسية، تردّ في التوقيت المناسب، وإن كانت تحسن الظن و تصبر على صغار العقول و تتجاوز لحماية مصالحها الاستراتيجية ومصالح المنطقة بأسرها، إنّ السعودية اليوم قادرة على إعادة التوازنات في المنطقة فهي تمتلك الحكمة السياسية والخبرة الطويلة و مزيجًا نادرًا من القدرة المالية والعمق الجغرافي والاستقرار السياسي، والرؤية التحولية طويلة الأمد، ما يجعلها المؤهلة طبيعيًا لقيادة المنطقة بأسرها إلى السلام العالمي والحفاظ على مقدرات الشعوب العربية. وهي لاشك قادرة على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية ورسم خارطة الاستقرار والأمن بعيدًا عن عبث العابثين.

 

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى