عامالمقالات

العيد من لقاء الجيران إلى إشعارات الهاتف

معانٍ دينية نستحضرها في العيد كل عام ونعيش طقوسه الاجتماعية، غير أن طريقة اجتماع الناس فيه شهدت تحوّلًا واضحًا. فكانت طقوس العيد تبدأ من أبواب البيوت وتتوزع بين منازل الجيران، واليوم غالبها في شاشة الهاتف ومنصات التواصل.
هذا التحول عبر مرحلتين اجتماعيتين مختلفتين: مرحلة المجتمع المتقارب مكانيًا، ومرحلة المجتمع الرقمي المتقارب شبكيًا. وبين المرحلتين تبقى الشعيرة الدينية ثابتة، بينما يتغير وسيط التواصل الذي يجمع الناس في العيد. وهنا لعلي أطرح سؤالاً: كيف أعاد التحول الرقمي تشكيل طريقة الاجتماع في هذه المناسبة؟
في المجتمع الذي اسميه المكاني كانت مظاهر العيد تتشكل داخل الحي. وتمثل الأسرة الممتدة الوحدة الاجتماعية الأبرز، وتبدأ الزيارات بعد صلاة العيد مباشرة وتمتد لساعات طويلة بلا مواعيد مسبقة. وتوزع العيدية رمزًا وجدانيًا، واللقاء في بيت كبير الأسرة. كما يتجسد التكافل في معرفة الناس بالمحتاجين ووصول زكاة الفطر إليهم يدًا بيد.
يأخذ الفرح طابعًا بسيطًا غنيًا بالمعنى تصنعه اللقاءات الطويلة والذكريات المشتركة. ونعيش العيد بإيقاع هادئ تطول فيه الجلسات والأحاديث، وتتشكل الهوية الاجتماعية من الحضور المباشر، وتنمو العلاقات عبر المجالس والزيارات، وتحفظ الذاكرة في القصص التي تتناقلها الأجيال. فيكون العيد تجربة معيشة داخل الحي والمجتمع القريب.
أما في المجتمع الرقمي دخل العيد في سياق مختلف من التنظيم والوسائط. فتحضر الأسرة النووية الوحدة الأبرز مقابل الممتدة، وأخفت الجداول عفوية اللقاء. وضمت المعايدة في قاعة واحدة بلقاء سريع، وازدادت فعاليات العيد الرسمية والسفر الداخلي أو الخارجي ومراكز التسوق. وتحول التكافل إلى منصات رقمية وجمعيات منظمة.
وأستطيع القول إن التحول الأبرز هو حضور وسائل التواصل الاجتماعي لتكون وسيطًا جديدًا للاجتماع. جعلت العيد تجربة تُوثَّق وتُشارك بقدر ما تُعاش. وظهرت التهاني الجماعية، برسالة موحدة، تصل مئات الأشخاص، يغيب عنها الحضور الشخصي، فتمرّ غالبًا دون تفاعل حقيقي، ومع اتساع دوائر الصلة قلّ اللقاء المباشر، ليصبح الحضور الرقمي أحد ملامح العيد اليوم.
هذه الوسائل غيرت معنى الاجتماع. فالعلاقة التي كانت تتأسس على اللقاء المباشر، تمتد اليوم عبر الرسائل الجماعية والمنصات الرقمية. تتيح هذه الوسائل توسيع دوائر التواصل وإحياء علاقات متباعدة، وفي الوقت ذاته تدفع إلى حضور المقارنة في السفر أو الاحتفال أو العيديات.
لقد شكلت المنصات واقعاً رقمياً للعيد عبر صور بالزي الوطني، ومقاطع التكبير، وتوثيق للأطباق التراثية. وألزمتنا بتشكيل ملامح العيد بما يتلاءم مع طبيعة العرض عبر العدسة والمنصة، وساهمت في تعزيز مظاهر الانتماء الوطني والديني.
هذا التحول يفرض سؤالاً حول كيفية إعادة توزيع أدواره الاجتماعية في ظل البيئة الرقمية. ففي المجتمع التقليدي الكثافة المكانية داخل الحي تنتج علاقات متقاربة وعميقة، بينما تمنح الكثافة الشبكية في المجتمع الرقمي امتدادًا جغرافيًا واسعًا بعلاقات تواصل سطحية.
ويظل العيد في جوهره مناسبة تجمع بين الصلاة والزكاة والزيارة والفرح المشروع. ويتغير الوسيط ويتبدل إيقاع الاجتماع، وتستمر الحاجة الإنسانية إلى اللقاء. فتبقى الموازنة بين الحضور الرقمي واللقاء المكاني أحد التحديات الاجتماعية في زمن المنصات، بحيث تحتفظ الشاشة بدورها كوسيلة، ويظل اللقاء المكاني مصدر المعنى الأعمق للعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى