«رحى لطيفة»
لم نعد ننظر إلى جراحنا كما كنا من قبل.
لم تعد الذاكرة مشتعلة بذلك الاحتراق القديم،
ولم يعد الألم خصمًا نطارده أو يطاردنا.
لقد أدركنا، بعد نضجٍ وتأمل،
أن كثيرًا ممن جرحونا
كانوا يحملون في داخلهم جراحًا سبقتنا.
لم يكونوا وحوشًا،
ولا شياطين متنكرة،
بل بشرًا عبروا الحياة بأوجاعٍ لم تُضمد،
فنزفوا على غيرهم دون أن يشعروا.
وليس في هذا تبريرٌ للأذى،
ولا تجميلٌ للقبح،
لكنه فهمٌ ناضج
يحررنا من أن نحمل فوق أرواحنا ما ليس لنا.
وحين فهمنا أن الجارح مجروح،
سقط من داخلنا سؤال:
لماذا نحن؟
وحلّ مكانه سؤالٌ أكثر هدوءًا ووعيًا:
كيف نقطع هذه السلسلة؟
لأننا نوقن
أن الألم إذا لم يُهذّب… يُورَّث،
وأن الجرح إذا لم يُفهم… قد يتحول إلى أداة جرح،
وأن من لم يشفَ من ألمه
قد يؤذي غيره دون قصد.
وأقسى ما قد يفعله الإنسان بنفسه
أن يتحول، وهو يرفض من آذاه،
إلى صورةٍ أخرى منه.
لهذا نراجع أنفسنا،
لا خوفًا من الناس،
ولا رهبةً من كلامهم،
بل صونًا لأرواحنا
وحراسةً لنقاء الداخل.
لا نريد أن نكون انعكاسًا لجرحٍ قديم،
ولا صدى لصوتٍ آذانا،
بل نريد أن نكون الوقفة التي تنتهي عندها السلسلة،
لا الحلقة التي تُطيلها.
نفهمهم…
لكننا لا نبرر لهم.
ونصفح…
لكننا لا ننسى الدرس.
ونختار، في كل مرة،
أن نتألم بوعي،
لا أن نؤلم بردة فعل.
فمن وعى مصدر جرحه
لم يعد بحاجةٍ إلى أن يوزعه على الآخرين.
والله،
ما كان هذا الفهم ضعفًا،
بل كان نضجًا هادئًا
أنقذ قلوبنا من التشوه،
وأنقذ من بعدنا
من أن يرث ألمًا لم يكن له ذنبٌ فيه.





