لفت نظري مؤخراً في شهر رمضان المبارك وفي برنامج جماهيري شهير استضافة أحد الرقاة الشرعيين وما صاحب تلك الحلقة المثيرة من اختلافات كبيرة جداً في وجهات النظر المتداولة بعد انتهاء الحلقة وحتى وقتنا الحاضر تدعو إلى التوقف والتأمل كثيراً حول هذه القضية الشرعية المتجددة.
وإن كنت أعتقد شخصياً أن المعارضين للضيف أكثر من المؤيدين له فلقد كانت أحاديثهم مُدٓعمة بآراء شرعية سابقة من قبل كبار العلماء الأجلاء في المملكة كالشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمهما الله، وغيرهما من العلماء والمشايخ الأفاضل.
وفي الحقيقة لست من طلاب العلم، ولست ممن يملكون ذلك العلم الشرعي وتحديداً في مسألة الرقية الشرعية، ولكن من خلال التجارب الشخصية وعبر مرافقة أحد المحتاجين إلى رُقية شرعية وقبل أكثر من خمس وثلاثين عام تقريباً فقد كنت في رفقة شخص حيث طلبني الذهاب معه إلى المدينة لتلقي الرقية.
ووصلنا إلى مقر إقامة ذلك الشيخ المعروف في القراءة على الناس من خلال استضافتهم في صيوان كبير فقد كان الرجال في جهة، والنساء في جهة أخرى وبطبيعة الحال بمقابل مادي ولكن دون تحديد للمبلغ المدفوع.
وأتذكر جيداً أثناء دخولي بعد صلاة العصر مع ذلك الشاب إلى الصيوان؛ استعداداً لبدء القراءة على المتواجدين كافة فعقب القراءة سقط من سقط، وبقي من بقى واقفاً على رجليه. فبدأ الراقي مباشرةً في التوجه إلى بدايةالصف والقراءة على كل من سقط بآيات قرآنية ومن ثمّ كلمات مختصرة مابين التهديد والوعيد ومابين الأمر الفوري بالخروج، وبعد أن يفوق المريض يوجهه الشيخ لأخذ الماء والزيت وبالتالي المقابل المالي.
وأتوقف هنا قليلاً مع من رافقته حيث لم يسقط كالغالبية وإنما ظل متماسكاً وأنا في حالة توتر وترقب مابين الشيخ الراقي والمريض المْبتلى فأفاده الشيخ بأن علته نفسية بحتة ولكن أيضاً وجهه بأخذ الماء والزيت من الشخص المختص..! وبالفعل توجهنا إلى من عنده ذلك الماء والزيت ودفعنا المقابل ثمّ عدنا إلى وجهتنا.
والغريب أنه بعد تسع سنوات من هذه الحادثة ذهبت برفقة أشخاص آخرين إلى نفس هذا الشيخ الراقي في منزله ولكن في مكان آخر من مقر سكنه، وبعد أن رأى الشخص المحتاج إلى الرقية أخبرنا مباشرةً بأن حالته نفسية ليس إلا ويحتاج إلى مراجعة الطبيب النفسي والعجيب أنه تهرب تماماً من مسألة تلبس الجن بالأنس وإن كل الحالات المرضية ماهي إلا اختلالات نفسية.
وعلى أي حال لازالت ملابسات الرقية الشرعية قائمة حتّى وقتنا الحاضر مابين أصحابها أنفسهم، فمن قاموا بها في السابق ولسنوات عديدة أصبحوا ينكرون بعض تفاصيلها بل ويتندرون عليها..! ومن يمارسها يثبت عكس الفريق الأول من أقاويل.
والسؤال لماذا يعودون بعض هؤلاء الرقاة للواجهة وبصورة أخرى ويجحدون ماكانوا يقومون به من الرقية الشرعية بعد سنوات مضت فهل اكتشفوا أنهم كان يبيعون الوهم للناس!؟ أم هل اكتفى هؤلاء الرقاة من جني المبالغ المالية الواردة؟ أم أصابهم سوء لا سمح الله فأصبحوا يعانون منه ولذلك يقدمون المبررات الحالية المتناقضة..!
وحتّى تظهر الحقيقة جلية أمام الجميع نأمل أن تُفصل جهات رسمية في الحكم الشرعي في هذه المسألة وفي جميع تفاصيلها الواقعية، أوتتبنى جهة إعلامية إجراء مناظرة وجها لوجه بين طرفي النقيض للرقية الشرعية على أن تكون تلك المناظرة بالحجة والدليل والبرهان للوقائع كافة فلعلنا نرى ذلك قريباً وهذا ما نأمله.






