المقالات

فنّ الحضور وقيمة الصمت

قديماً قيل : اذا كان الكلم من فضة فالسكوت من ذهب، وخير الكلام ما قل ودل، ونحن في هذا الزمن زمن الثورة المعلوماتية الذي أصبحت تتزاحم فيه الكلمات كما تتزاحم الوجوه في الطرقات.

أصبح من الضرورة بمكان الترشيد في الكلام وهو مهارة نادرة، لا يجيدها إلا من أدرك أن للكلمة وزناً، وأن الصمت أحياناً أبلغ من الخُطبِ.

فالكلام ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو مسؤولية أخلاقية، وأداة تأثير، قد تبني جسوراً وقد تهدم علاقات، وقد تُحيي نفساً أو تُثقلها.

والترشيد في الكلام لا يعني الصمت المطلق، ولا الانسحاب من الحوار، بل هو اختيار الكلمة في وقتها، ووضعها في موضعها، والاقتصاد في العبارة دون إخلال بالمعنى.

بمعنى أن تقول ما ينبغي، حين ينبغي، بالشكل الذي ينبغي، وهذا توازن دقيق بين الإفراط والتفريط لا يتقنه الا العقلاء فلا إسهاب يُملّ، ولا إيجاز يُخلّ.

ومن تأمل واقع الناس في وقتنا الحاضر وجد أن كثيراً من المشكلات تبدأ بكلمة، أو تتفاقم بسبب كلمة، لأن أحدهم لم يُحسن اختيار كلماته سواءً كانت في المجالس أو في مواقع التواصل أو في بيئات العمل،حيث يتحدث البعض دون تفكير، فيقعون في الغيبة، أو التجريح، أو نقل ما لا ينبغي نقله.

بينما يُدرك الراشد أن ليس كل ما يسمع يُقال، وكفى بالمرء إثماً أن يُحدِّث بكل ما يسمع ، وأن من الحكمة أن تمرّ بعض الكلمات في الذهن دون أن ترى النور.

الترشيد في الكلام يعكس نضجاً داخلياً، ويُظهر عمق التفكير، ويمنح صاحبه هيبةً واحتراماً. فالشخص الذي يُحسن الإصغاء، ويتأنّى قبل الرد، ويختصر دون أن يُفرّط، يفرض حضوره دون ضجيج. وكأن كلماته المختارة بعناية، تُشبه سهاماً قليلة لكنها تُصيب الهدف بدقة.

كما أن لهذا الترشيد أثراً نفسياً واجتماعياً؛ فهو يخفف من التوتر، ويحدّ من سوء الفهم، ويُعزز العلاقات المبنية على الوضوح والاحترام، فالإنسان حين يزن كلماته، يُجنّب نفسه كثيراً من الندم، ويصون قلبه وقلب غيره من آثار التسرع.

ولعل من أهم مظاهر الترشيد أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ومتى يصمت. فالصمت ليس عجزاً، بل قد يكون أبلغ من الردود الطويلة، والقدرة على كبح جماح اللسان في لحظة غضب، أو تجاوز استفزاز بكلمة حكيمة، هي قمة القوة التي ينشدها الحكماء.

ختاماً : الترشيد في الكلام ليس ترفاً سلوكياً، بل ضرورة في حياة متسارعة، تزداد فيها الحاجة إلى الوعي والانضباط. فمن أراد أن يُحسن حضوره، ويترك أثراً طيباً، فليجعل من كلماته جسوراً لا حواجزاً ، ونوراً لا ناراً. فالكلمة حين تُرشَّد، تُثمر، وحين تُهمل، تُؤذي… وبينهما يكمن الفرق بين إنسانٍ يتكلم، وإنسانٍ يُحسن الكلام.

• كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

كاتب رأي - مستشار أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى