المقالات

قرار جامعة الملك سعود: المغص في الثور ويُكوي الحمار

في اللحظة التي أعلنت فيها جامعة الملك سعود تقليص بعض البرامج الأكاديمية في العلوم الإنسانية، يبدو المشهد وكأنه حكم نهائي بفشل هذه التخصصات، وكأن السوق قال كلمته الأخيرة. لكن هذا التصور، في جوهره، تبسيط مخلّ لمشكلة أكثر تعقيداً. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تفشل التخصصات الإنسانية؟ بل: كيف تُدار التخصصات أصلاً، أياً كان نوعها؟ لقد اعتدنا في الخطاب العام أن نحصر التخصصات في ثنائية حادة: إنساني مقابل تطبيقي، ثم نُسقط عليها حكماً جاهزاً بأن الثاني هو طريق النجاة، بينما الأول طريق البطالة. غير أن التجربة الواقعية، عالمياً ومحلياً، تكشف أن هذه القسمة لم تعد صالحة لفهم ما يحدث. فكما أن بعض التخصصات الإنسانية تواجه تحديات في التوظيف، فإن هناك أيضاً تخصصات تطبيقية لم تحقق الأثر المتوقع، بل وتعثرت بشكل واضح.

طرح فكرة فشل بعض التخصصات التطبيقية يحتاج دقة؛ فالتخصص في ذاته لا يفشل بقدر ما يفشل توظيفه أو تصميمه أو توقيته. من أبرز الأمثلة تخصصات تقنية المعلومات في نسخها القديمة، حين كانت تركز على مهارات محددة سرعان ما تجاوزها التطور، فوجد كثير من الخريجين أنفسهم أمام سوق يتطلب ما لم يتعلموه. وكذلك الحال في بعض برامج إدارة الأعمال العامة التي توسعت بلا تميز، فخرجت أعداداً كبيرة بمهارات عامة لا تمنحهم ميزة تنافسية حقيقية. وفي السياق الصحي، شهدت بعض التخصصات المساندة حالات من التشبع نتيجة التوسع غير المدروس، بينما عانت برامج إعلامية من الجمود عند أدوات تقليدية في وقت تحوّل فيه العالم إلى الإعلام الرقمي. بل إن بعض تخصصات التقنية الصناعية تراجعت لأن الصناعة نفسها تغيّرت نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بينما بقيت البرامج على حالها. هذه الأمثلة لا تُدين التخصصات التطبيقية، لكنها تُسقط الوهم القائل إن “التطبيقية” وحدها ضمان للنجاح. وهنا تحديداً يصبح تقليص التخصصات الإنسانية قراراً يستحق التوقف؛ لأنه قد يُبنى على قراءة سطحية ترى النتائج ولا تبحث في الأسباب.

في أوروبا والولايات المتحدة، لم تختفِ تخصصات مثل علم النفس أو علم الاجتماع، بل أعيد توظيفها. لم تعد مجرد معارف نظرية، بل أصبحت جزءاً من منظومات أوسع: في تحليل السياسات، وفهم سلوك المستهلك، وتصميم الخدمات، وتجربة المستخدم، والعمل الاجتماعي، وحتى في دعم قرارات الشركات. الفرق لم يكن في التخصص ذاته، بل في كيفية ربطه بالواقع، وفي المهارات التي تُبنى حوله. المشكلة إذن ليست في (إنساني أو تطبيقي)، بل في نموذج التعليم الذي يقدّم التخصص بوصفه منتجاً نهائياً مكتفياً بذاته. حين يُدرَّس التخصص بمعزل عن مهارات التحليل، أو دون ارتباط حقيقي بالتحولات الاقتصادية والتقنية، فإنه يصبح هشاً، مهما كان تصنيفه. وحين يُجمَّد عند لحظة زمنية معينة، فإنه يفقد قيمته تدريجياً، حتى لو بدأ قوياً.

إن تقليص التخصصات الإنسانية قد يكون مفهوماً في بعض الحالات، لكن الخطر أن يتحول إلى حل سهل لمشكلة أعمق: غياب التخطيط الديناميكي للتخصصات. فبدلاً من الإلغاء، ربما يكون الأجدى هو إعادة التصميم؛ ربط علم الاجتماع بتحليل البيانات، ودمج علم النفس مع مجالات العمل المؤسسي، وتوجيه الدراسات الإنسانية نحو قضايا التنمية وصناعة القرار. النجاح الحقيقي لأي تخصص، كما تكشف التجارب، يرتبط بثلاثة عناصر: التحديث المستمر، والارتباط بالتحولات المستقبلية لا الحالية فقط، وبناء مهارات قابلة للنقل بين مجالات متعددة. وبهذا المعنى، قد يفشل تخصص تطبيقي إذا جُمّد، وقد ينجح تخصص إنساني إذا أُحسن توظيفه. المعادلة لم تعد: ماذا تدرس؟ بل: كيف دُرّست لك؟ وكيف ستستخدم ما تعلمته؟ وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينصرف إليها النقاش، بدل الاكتفاء بتقليص هنا أو التوسع هناك، دون معالجة جوهر الخلل.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى