المقالات

العصفورية

أُطلقت أغنية عا العصفورية قبل نحو ستة عقود، بطلها فيلمون وهبي كلماتٍ ولحنًا، وتغنّت بها صباح.
ومعروف عن الكاتب والملحن فليمون أنه يلتقط من كلمةٍ عابرة، ولو من أحد المارة، فيجعل منها أغنية شعبية يتناقلها الجميع، خاصة حين كانت الصبوحة طلتها وأداؤها على سنّ ورمح الغناء.
ويُقال إن فيلمون كان يسير بسيارته، وعند مستشفى الأمراض النفسية ضرب مسمارٌ عجلةَ السيارة، فحاول أن يجد هاتفًا، وما أصعب البحث عنه في تلك الأيام! كان يتحرك هنا وهناك، ويضرب على جبهته علامة الحيرة فيما يعمل. نظر إلى شرفةٍ في المستشفى، فإذا أحد نزلائها يضحك ويقول له: “أنا برضو كنت مثلك هيك قبل ما أدخل هون… تعا شرف !”
فضحك فيلمون… وكتب: (عا العصفوريه عا العصفوريه وصلنى بايده و ما طل عليا عليا. ).
وبالتالي، فكلمة “العصفورية” تعني في المفهوم اللبناني مصحًّا للأمراض النفسية (المجانين) مع أنها اكتسبت ذلك الأسم أصلاً لأنها أُقبمت علي تل العصافير.
ولكن هناك فرقًا بين مجنون الأمراض النفسية ومجانين آخرين… جنانهم “غير”. يُطلق عليهم مجازًا لتعلقهم حدّ الهوس بجزئية في الحياة، تفقدهم التوازن في سلوكهم.
وهنا يحضرنا سؤال: هل الجنون فنون؟ أم هي مقولة أطلقها أحدهم، فصارت تُقال كلما حدث شيء غريب؟ أم ربما لم يكن غريبًا، ولكنه لم يوافق مزاج المتلقي، أو أن القائل أصلًا لا يلقى القبول عنده، فوُصف بالجنون؟
هل جنون الحب هو أجملهم رغم ألمه؟ أم هو أشقاهم؟
هناك جنون العلماء، والأدباء، والمتعاظمين الذين تصيبهم الخيلاء… وهيهات من عقلٍ بعدها أبدًا.
وهناك من يرى أن الجنون فِكّة من مشاكل الحياة وجروحها وآلامها، فقال أحدهم :
قل للمجانين في الدنيا لكم طوبى
لا عقلَ يشقيكم فيها ولا حوبى
تركتم نكباتِ الدهر خلفكم
لمن يصيره الإحساس منكوبًا
لئن أُصبتم بمسٍّ فهو مطهرةٌ. وطاهرُ النفس أرقى الناس تهذيبًا
المشكلة ليست في الجنون فقط …
المشكلة حين يجد الجنون جمهورًا،
أو قرّاءً يصفّقون له فيزداد جنان المجانين. .
وهنا في أعيننا مجانين مختلفون، وربما يعتبرهم البعض “جنونًا خفيفًا”… أو ثقيلًا،
مثلًا: هناك أحدهم جنانه في كثر الكلام… يبربر في اليوم مرات ومرات، حتى لو ما يقول إلا: “الثعلب فات، وفي جيبه سبع لفات”! المهم يطق حنك. يصرّح في الصباح ويمسح في المساء. كان هناك رئيس هندي لم أسمع منه كلامًا، لكن اسمه “أبو الكلام”… والحقيقة، هذا الشخص يستحق هذا اللقب بدون منازع!
وهناك رئيس… جنانه التصفيق: إن تكلم صفقوا له، وإن مشى صفقوا له، وإن ابتسم — وهذا نادر — صفقوا له، وإن قتل… صفقوا! وأُسبغ عليه لقب “أبو صفقة جنان ”. والواقع، عشان يفوق… يبغاله تصفيق!
وهناك فنان ما … جنانه في الضَحْوكَة، يضحك حتى على نفسه، مستخفّ دمه… وأغانيه وحركاته “مشي حالك. .يبدو ما مداني أوصفه حتى تعرف عليه القارئ.
وهناك مجانين شهرة: كان غير معروف، وفجأة بعد ما خلّف له الوالد مبلغًا يسيل له لعاب آلاف المحتاجين وغير المحتاجين صار رياضيًا، ومحللًا، وكاتب أغاني وقصص، وملحنًا…يصول ويجوّل في منصات التواصل! المهم: “خشّوني… لا تنسوني”.
وهناك من جنانه التخريب والخيانة… يموت في خيانة وطنه ودماره، والتنكيل بأبناء جلدته، حبًا في جلدةٍ أخرى. ويبدو لي أن السبب هو “العمامة السوداء”! وكلما رأي واحدًا قال له: “قم!” فيقوم المسكين ويسأله: “ليش؟” فيرد: “لا، ما عنيتك ..كنت أسبّح!” قم قم قم.
وهناك من جنانه “الدعوجة”… يموت في دباديب الدعاوى ، ولا يرتاح إلا في شكوى فلان أو علان. وإذا لم يجد، يبحث عن أي مخلوق عنده مشكلة، يثيره ويحثه على الادعاء على الآخرين — حتى لو كانوا من الأهل والأقارب. لا يعيش إلا على مصائب الناس، ويُسرّ إذا حُكم عليهم، ليشمت بهم، ثم ينتقل لشكوى أخرى.
في العصفورية… الجميع يكتب تقاريره عن الآخرين:
هذا يقول: ذاك مجنون،
وذاك يرد: بل أنت المجنون،
وآخر يبتسم… ويسجّل: “صحيح، مجانين!”
وفي زاوية المشهد… يمرّ موظف العصفورية، ينظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم يدوّن ملاحظته اليومية:
“الحالات مستقرة… كل مجنون مقتنع تمامًا أنه الوحيد العاقل. ….. شيء… يُجنّن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى