المقالات

أثر السلوك الشخصي في بناء الصورة الذهنية للمملكة العربية السعودية

لم تعد الصورة الذهنية للدول تُبنى فقط عبر البيانات الرسمية أو الحملات الإعلامية أو المؤتمرات الدولية، بل أصبحت تُصنع يومياً من خلال سلوك الأفراد أنفسهم؛ فالمواطن والمقيم والسائح والطالب ورجل الأعمال والإعلامي والمؤثر في وسائل التواصل جميعهم أصبحوا “سفراء غير رسميين” لأوطانهم، ينقلون للعالم صورة مباشرة عن أخلاق المجتمع وثقافته وقيمه ومستوى وعيه وتحضره. ولهذا فإن السلوك الشخصي اليوم لم يعد شأناً فردياً معزولاً، بل تحول إلى عنصر استراتيجي في بناء السمعة الوطنية وتعزيز القوة الناعمة للدول. وفي المملكة العربية السعودية تتضاعف أهمية هذا الجانب في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد ضمن رؤية 2030، والتي لم تقتصر على التنمية الاقتصادية فقط، بل استهدفت أيضاً بناء مجتمع حيوي ووطن طموح يتمتع بصورة ذهنية عالمية إيجابية تعكس حقيقة المملكة الحديثة والمنفتحة والطموحة. ولذلك أصبح كل سلوك إيجابي يصدر من المواطن السعودي يسهم بصورة مباشرة في تعزيز هذه الصورة، سواء في الداخل أو الخارج.
لقد أثبتت دراسات الاتصال الحديثة أن الانطباعات الأولى تُبنى غالباً على الممارسات اليومية البسيطة؛ مثل احترام النظام، والصدق، والالتزام بالمواعيد، وحسن التعامل مع الآخرين، والوعي الرقمي، واللباقة في الخطاب، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتعامل الراقي مع السياح والزوار. وهذه السلوكيات الصغيرة ظاهرياً تصنع في مجموعها صورة كبيرة عن المجتمع والدولة. ولعل ما تشهده المملكة اليوم من ارتفاع ملحوظ في أعداد السياح والزوار يعكس بوضوح أهمية السلوك المجتمعي في ترسيخ الانطباعات الإيجابية. فقد بلغ عدد السياح الوافدين إلى المملكة في عام 2024 نحو 29.7 مليون سائح، منهم 12.3 مليون لأغراض دينية و7.5 مليون لأغراض ترفيهية، في مؤشر يعكس تنامي حضور المملكة على خارطة السياحة العالمية. ومثل هذه الأعداد الضخمة لا تنقل معها صور الفنادق والمشروعات فقط، بل تنقل قبل ذلك أخلاق الناس وطريقة تعاملهم ومستوى وعيهم وتحضرهم. كما أن المملكة حققت تقدماً ملحوظاً في مؤشرات السمعة والتنافسية الدولية؛ حيث أشار تقرير مؤشر التنافسية العالمية IMD إلى تقدم المملكة إلى المرتبة 17 عالمياً في عام 2023 بعد أن كانت في المرتبة 32 عام 2021، وهو تطور يعكس نجاح الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية. كما أظهرت تقارير القوة الناعمة العالمية أن صورة المملكة تشهد تحسناً متدرجاً على المستوى الدولي، مدفوعة بالمشروعات الكبرى والانفتاح الاقتصادي والثقافي والسياحي.
غير أن كل هذه الجهود الرسمية قد تتأثر سلباً إذا صاحبها سلوك فردي غير مسؤول، فتصرف سلبي واحد قد ينتشر عالمياً خلال دقائق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويترك أثراً يتجاوز حدود المكان والزمان. ولذلك أصبحت المسؤولية الفردية اليوم جزءاً من الأمن الفكري والإعلامي والوطني للدولة. فالمواطن الذي يسيء التعامل مع الآخرين، أو يمارس التعصب، أو ينشر خطاب الكراهية، أو يتجاوز الأنظمة، لا يسيء لنفسه فقط، بل يسيء بصورة غير مباشرة إلى صورة وطنه بأكمله. وفي المقابل فإن السلوك الحضاري الراقي أصبح أحد أبرز أدوات القوة الناعمة السعودية. ويكفي أن نلاحظ حجم الإشادة العالمية بالتعامل الإنساني والتنظيمي الذي يظهر خلال مواسم الحج والعمرة، حيث يشاهد ملايين المسلمين سنوياً نماذج من الكرم والتنظيم والخدمة والتطوع. وقد ارتفع عدد المتطوعين في المملكة من 22.9 ألف متطوع عام 2015 إلى نحو مليون متطوع بحلول عام 2024 وفق مستهدفات الرؤية، بل تجاوزت أعداد المسجلين في المنصات التطوعية لاحقاً أكثر من مليوني متطوع. وهذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس تحولات ثقافية وسلوكية عميقة في المجتمع السعودي. إن بناء الصورة الذهنية ليس مهمة وزارة أو مؤسسة إعلامية فقط، بل هو مشروع وطني يشارك فيه الجميع. فالمعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، ورجل الأمن في ميدانه، والموظف في مكتبه، والإعلامي في طرحه، والمؤثر في حساباته الرقمية، جميعهم يسهمون في تشكيل صورة المملكة أمام العالم. وفي عصر الإعلام الرقمي لم يعد هناك فصل بين “السلوك الشخصي” و”الصورة الوطنية”، لأن العالم أصبح يراقب التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كما أن الدراسات الإعلامية تؤكد أن الدول التي تنجح في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية هي الدول التي تمتلك انسجاماً بين خطابها الرسمي وسلوك مجتمعها. فحين يرى الزائر الاحترام والنظام والذوق العام والوعي الثقافي والاعتزاز بالهوية والانفتاح المتوازن، فإنه يكوّن انطباعاً إيجابياً دائماً قد يفوق تأثير الحملات الدعائية بمراحل. ومن هنا فإن تعزيز السلوك الحضاري يجب أن يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، عبر ترسيخ قيم الاحترام والانضباط والتسامح والذوق العام والوعي الوطني. كما أن الإعلام مطالب اليوم بإبراز النماذج السعودية المشرقة التي تقدم صورة حضارية حقيقية عن الإنسان السعودي المعتدل والطموح والمتفاعل مع العالم.
إن المملكة العربية السعودية وهي تخوض مرحلة تاريخية غير مسبوقة من التحول والتحديث تحتاج إلى وعي مجتمعي يواكب هذا الحراك الكبير، لأن بناء الأوطان لا يتحقق بالمشروعات العملاقة فقط، بل يتحقق أيضاً بالسلوك الراقي والوعي المسؤول والانتماء الحقيقي. فالصورة الذهنية لأي وطن تبدأ من تفاصيل الإنسان، وكلما ارتقى سلوك الفرد ارتفعت معه مكانة الوطن في عيون العالم.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى