المقالات

انفصال الزوجين بعد سن الخمسين

يقول الشاعر الجاهلي علقمة الفحل:

إذا شاب رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُهُ
فليس له من وُدِّهِنَّ نصيبُ

يُرِدنَ ثراءَ المالِ حيثُ عَلِمنَهُ
وشرخُ الشبابِ عندهنَّ عجيبُ

وكما ينطبق وصف الشيب في قول الشاعر على الرجال، فإنه ينطبق أيضًا على النساء، حيث يشعر بعض الأزواج بالملل تجاه تصرفات زوجاتهم بعد بلوغهن سن اليأس، ويتطلعون إلى التعدد في الزواج، لولا خوفهم من حدوث مشكلات أسرية أو عدم القدرة المادية على إعالة زوجتين.

وتبين الدراسات أن ميل النساء للرجال وحسن تبعلهن قد يقل، في بعض الأحوال، ويصبحن أكثر تأففًا من الرجال بعد بلوغهن هذه السن المتقدمة، وخصوصًا الموظفات أو الحاصلات على رواتب تقاعدية تضمن لهن عيشًا كريمًا إذا انفصلن عن أزواجهن بعد بلوغ أبنائهن سن الرشد.

وقد بدأ يظهر على السطح، ولكن بنسبة قليلة جدًا، انفصال الزوجين عن بعضهما بعد بلوغ سن اليأس، أي ما بعد الخمسين، حيث تشير الإحصائيات الصادرة عام 1990 إلى أن النسبة كانت حالتين بين كل 100 حالة طلاق، ثم ارتفعت لتصل إلى 5% من حالات الطلاق في عام 2023.

وللطلاق المتأخر بعد العِشرة الطويلة، وما يمثله من صدمة للأبناء وبقية الأسرة، أسباب فسيولوجية ونفسية واجتماعية تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن أبرزها:

1- التغيرات البيولوجية لدى المرأة بعد انقطاع الطمث، والتي تؤثر على مزاجها وطاقتها ورغبتها تجاه الزوج.

2- تقاعد الزوج وجلوسه الدائم في المنزل، وتدخله في كل صغيرة وكبيرة تخص زوجته وأنشطتها المنزلية.

3- كثرة شكوى الزوج من تصرفات زوجته، وتفسيرها تفسيرًا سيئًا، واعتبارها خروجًا عن طاعته، وأحيانًا يكون هذا التصرف نابعًا من عدم قدرته على أداء واجباته الزوجية بسبب مرض أو نحوه، فيشعر بالدونية ويختلق المشكلات حتى لا يُعَيَّر بهذا العجز.

4- كِبَر سن الزوج، وضعف قدرته على الاعتماد على نفسه في حال عدم وجود من يخدمه من الأبناء أو الخدم، مما يؤدي إلى تأفف الزوجة بسبب عدم قدرتها على خدمته.

5- انشغال المرأة بالأحفاد، وقضاء وقتها في رعايتهم دون الالتفات إلى احتياجات الزوج.

6- استقلال الأبناء ذاتيًا وخروجهم من بيت العائلة بعد زواجهم، حيث كان لوجودهم دور في استقرار الحياة بين الزوجين.

7- استغناء الزوجة ماديًا، في بعض الحالات، نتيجة حصولها على ميراث مجزٍ من أحد والديها المتوفين.

8- السبب الثامن، والذي يكون غالبًا بمثابة الشرارة التي تنكأ كل مآسي حياتها الزوجية وصبرها على سوء معاملة زوجها، ويتمثل في اكتشافها زواجه من أخرى، أو دخوله في علاقة عاطفية مع امرأة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتُقدِم عندها على طلب الطلاق.

لذلك ينبغي التدخل في مثل هذه الحالات من قبل المحيطين، وخصوصًا الأبناء، بإفهام الزوجين المسنين أن الطلاق في هذه السن قد يشكل ضغطًا نفسيًا عليهما، ويصعّب قدرتهما على التكيف مع الوحدة وتغير نمط الحياة، فضلًا عما قد يتركه هذا الانفصال من آثار سلبية على الأبناء، حتى وإن كانوا كبارًا.

كما ينبغي التزام الحياد مع الطرفين، وعدم الانجرار العاطفي نحو أحدهما على حساب الآخر.

وقد يكون من المناسب، قبل الوصول إلى الطلاق، إبعاد كل طرف عن الآخر مؤقتًا، والعيش بشكل منفصل مع بقاء العلاقة الزوجية قائمة في إطار من الاحترام المتبادل، حتى وإن تطلب الأمر إقامة حواجز أو تقسيمات داخل المنزل، مع مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية لكل منهما.

وإذا تعذر هذا الحل، وكان الطلاق هو الخيار الأخير، فلابد من إنهاء هذه العلاقة الطويلة إنهاءً كريمًا، بعيدًا عن الإساءة والتشهير، مع حفظ كرامة كل طرف، وعدم إدخال الأبناء في النزاعات أو الضغط عليهم لاتخاذ موقف مع أحد الوالدين.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى