المقالات

حين تطغى المؤشرات على التعليم

يفترض أن تُقاس الجامعة بمخرجاتها البشرية، لا بعدد مؤشرات الأداء أو كثرة التقارير. فالجامعة وُجدت لصناعة الإنسان، وبناء العقول، وتأهيل الكفاءات القادرة على خدمة المجتمع وسوق العمل، لا لمجرد صناعة صورة مؤسسية براقة أو تحقيق أرقام تُرضي جهات التصنيف والاعتماد.

لكن الواقع اليوم يشير إلى أن كثيرًا من الجامعات أصبحت تستهلك جزءًا كبيرًا من طاقاتها البشرية والإدارية في إعداد الخطط الاستراتيجية، وتقارير الجودة، ومتطلبات الاعتماد الأكاديمي، ومؤشرات الأداء، والتصنيفات العالمية، حتى أصبح صوت المؤشرات أعلى من صوت التعليم نفسه.

لقد تحولت بعض المؤسسات التعليمية إلى بيئات يغلب عليها العمل الورقي والإجرائي، بينما تراجع الاهتمام بجوهر العملية التعليمية؛ أي التدريس، والتدريب، والتأهيل، والبحث العلمي الحقيقي، والتوطين في مجالات التقنية والمعرفة. وأصبح عضو هيئة التدريس أحيانًا يقضي وقتًا طويلًا في تعبئة النماذج، وإعداد التقارير، وجمع البيانات، أكثر من انشغاله بتطوير المحتوى العلمي أو الإشراف البحثي أو تدريب الطلاب.

ومن المؤمل اليوم أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الجوانب الشكلية والإدارية المتكررة، مثل تحليل البيانات، وإعداد التقارير، ومتابعة المؤشرات، وأعمال الجودة والاعتماد، حتى يتفرغ الإنسان للمهام التي تحتاج إلى الإبداع والتفاعل الإنساني الحقيقي، كالتعليم، والتوجيه، والبحث، وبناء المهارات.

إن جودة المؤسسة التعليمية لا تتحقق بكثرة المؤشرات فقط، بل بمدى تأثيرها الحقيقي في الإنسان والمجتمع. فالجامعات الناجحة هي التي تخرج طلابًا يمتلكون المعرفة والمهارة والقيم، ويستطيعون المنافسة والإنتاج وخدمة أوطانهم.

كما أن أداء المؤسسة التعليمية يُقاس بقدرتها على تحقيق عدة عناصر أساسية، من أهمها:
• جودة التدريس وتطوير المناهج بصورة مستمرة.
• تأهيل الطلاب لسوق العمل وربط البرامج الأكاديمية باحتياجاته.
• دعم البحث العلمي التطبيقي الذي يعالج مشكلات المجتمع.
• توفير بيئة أكاديمية محفزة للإبداع والابتكار.
• الاستثمار في أعضاء هيئة التدريس وتطوير قدراتهم المهنية.
• بناء شراكات حقيقية مع القطاعين الحكومي والخاص.

فالعملاء الحقيقيون للجامعات هم الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، وسوق العمل، ومع ذلك فهم غالبًا آخر من يُستمع إليهم، بينما تنشغل الإدارات بصناعة العروض والمؤشرات والتقارير التي قد تبدو ممتازة على الورق، لكنها لا تعكس دائمًا الواقع داخل القاعات والمعامل وسوق العمل.

إن الاهتمام بإثبات الجودة لا ينبغي أن يسبق صناعة الجودة نفسها، وجمع البيانات لا ينبغي أن يكون أهم من تحسين الواقع. فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة تعليمية ليست فيما تعرضه من أرقام، بل فيما تصنعه من إنسان قادر على التفكير والإبداع والإسهام في تنمية مجتمعه ووطنه.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى