المقالات

إغلاق الكليات في المناطق النائية… هل ترشيد الإنفاق يبرر حرمان التعليم؟

يُنظر إلى إغلاق الفروع الجامعية، خاصة في المناطق النائية والطرفية، على أنه حلٌّ سريع وسهل لتقليل النفقات وترشيد الميزانيات، غير أن هذا التوجه يحمل في طياته أضرارًا اجتماعية واقتصادية وتنموية كبيرة على المدى البعيد، قد تفوق بكثير أي وفورات مالية آنية. فترشيد الإنفاق لا ينبغي أن يعني حرمان الطلاب من حقهم في التعليم، أو تحميلهم أعباء الانتقال والسكن والغربة، خصوصًا في المجتمعات التي تتباعد فيها المدن وتختلف فيها الظروف الاقتصادية للأسر.

إن الجامعات ليست مجرد قاعات دراسية تمنح شهادات أكاديمية، بل هي محركات للتنمية المحلية، ومراكز ثقافية واقتصادية تسهم في تنشيط المدن الصغيرة، وخلق فرص العمل، ودعم الاستقرار الاجتماعي. وعندما يتم إغلاق كلية أو فرع جامعي في منطقة نائية، فإن التأثير لا يقتصر على الطلاب فقط، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، من موظفين وأسر ومحال تجارية وخدمات مرتبطة بالحركة التعليمية.

وللأسف، فإن بعض القرارات التي تُطرح تحت شعار “ترشيد الإنفاق” تبدو وكأنها تُتخذ بمعزل عن قراءة شاملة للآثار المستقبلية. كما أن استخدام مصطلحات مثل “إغلاق” أو “إقفال” في الخطاب الإعلامي يترك انطباعًا سلبيًا لدى الرأي العام، ويُظهر المؤسسة التعليمية وكأنها تتراجع عن رسالتها التنموية والمعرفية، خاصة في ظل ما شهدته بعض الجامعات مؤخرًا من انتقادات حادة عقب تقليص أو إلغاء تخصصات أكاديمية.

وفي التجارب العالمية، نجد أن كثيرًا من الدول المتقدمة لم تتجه إلى إغلاق الفروع الجامعية رغم ارتفاع التكاليف، بل عملت على إعادة هيكلتها وتطويرها. ففي كندا وأستراليا – وهما من أكثر الدول التي تضم مناطق نائية ومتباعدة – جرى دعم الجامعات الإقليمية بوصفها جزءًا من التنمية الوطنية، وليس عبئًا ماليًا. كما أن بعض الجامعات الأمريكية اتجهت إلى تقليل التكاليف عبر الدمج الإداري والتوسع في التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني، مع الإبقاء على الحضور الجامعي في المدن الصغيرة حفاظًا على العدالة التعليمية.

وفي بريطانيا، واجهت بعض الجامعات تحديات مالية كبيرة، لكنها فضّلت الدخول في شراكات مع القطاع الخاص، والاستثمار في البرامج المهنية والبحثية، بدلًا من إغلاق الفروع بشكل كامل. لأن إلغاء الوجود الجامعي في المدن الطرفية يؤدي غالبًا إلى تراجع التنمية وارتفاع معدلات الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى.

إن الحلول البديلة متاحة ومتعددة، ومن أبرزها:
– الدمج الإداري بين بعض الكليات والفروع دون المساس بوجودها الجغرافي.
– التوسع في التعليم الهجين الذي يجمع بين الحضور والتعليم الإلكتروني.
– إشراك القطاع الخاص في تشغيل بعض البرامج الأكاديمية والمهنية.
– استثمار مرافق الجامعات في برامج تدريبية وبحثية مدفوعة.
– إعادة تقييم التخصصات وفق احتياجات سوق العمل بدلًا من إلغاء الكليات بالكامل.

كما يمكن للجامعات أن تتحول إلى بيوت خبرة ومراكز استشارية تسهم في تحقيق دخل إضافي، بدل الاعتماد الكلي على الدعم الحكومي. فالجامعات الكبرى في العالم لم تصل إلى قوتها العلمية من خلال التقليص والإغلاق، وإنما عبر التنويع والاستثمار والابتكار.

إن التنمية المتوازنة تقتضي أن تصل فرص التعليم إلى جميع المناطق، لا أن تتركز فقط في المدن الكبرى، خاصة ونحن نعيش في ظل رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله-، التي ركزت في مضمونها على التعليم والابتكار بوصفهما أحد أهم الموارد الاستراتيجية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام بعيدًا عن الاعتماد على النفط. ومن هنا فإن دعم الجامعات والفروع التعليمية في مختلف المناطق يمثل استثمارًا وطنيًا طويل المدى، لا مجرد بندٍ قابل للتقليص أو الإلغاء.

فالطالب في المحافظات البعيدة لا ينبغي أن يُعاقب بسبب موقعه الجغرافي أو محدودية إمكاناته المادية. ومن هنا، فإن معالجة التحديات المالية يجب أن تتم بعقلية التطوير لا بعقلية الإغلاق.

إن الجامعات وُجدت لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، وأي قرار يمس وجودها في المناطق النائية ينبغي أن يُدرس بعناية فائقة، لأن خسارة مؤسسة تعليمية في مدينة صغيرة قد تعني خسارة فرصة تنموية كاملة لأجيال قادمة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى