عام

معلمون صنعوا الأثر .. وغاب عنهم الضوء

تكشف قصة أبي الحسن بن علي الكسائي، معلم ابني الخليفة هارون الرشيد (الأمين والمأمون)، ما كان يحظى به المعلم من هيبة وإجلال. ولا شك أن مردَّ ذلك إلى شخصية المعلم، وما يتمتع به من رسوخ علمي وتربوي، إضافة إلى أدب الطالب وحسن تربيته.

وقد ذكّرتني هذه القصة بكوكبة من الأساتذة الذين درست على أيديهم في تسعينيات القرن الميلادي الماضي، حين كنت طالبًا في كلية العلوم بجامعة الملك عبد العزيز. لقد رأيت فيهم نماذج مشرقة للأستاذ العالم، والمربي، والمعلم الموسوعي.

من هؤلاء الأعلام الأستاذ الدكتور أحمد عبد الوهاب خليل، أستاذ المعادلات التفاضلية بجامعة الإسكندرية؛ كان على درجة عالية من الطيبة وحسن الخلق، شديد التمكن من مادته، وله أسلوب مشوق في تدريسها، يجمع بين الجمال والمعاصرة، ويقترب كثيرًا من المنطق.

ومنهم الأستاذ الدكتور عبد الله الهلباوي، أستاذ الإحصاء الرياضي بجامعة حلوان؛ ذلك العالم الذي يشعرك بأنك أحد أبنائه لطيبته ولطفه. وقد قال لي ذات مرة: “يا بني، جئتك بمجموعة من الأبحاث، أريدك أن تقرأها وتبدِي رأيك فيها”. لم أكن طالبًا عنده، لكنه لاحظ أنني في مرحلة اختيار موضوع البحث وكتابته، فأراد أن يمنحني درسًا عمليًا في منهجية إعداد البحوث.

ومنهم الأستاذ الدكتور الأنيق عصام الحسيني، أستاذ الإحصاء الرياضي بجامعة أسيوط؛ ذلك الأب الحريص الذي كان يأخذ بيدي إلى المكتبة، فيطلعني على الكتب والمراجع والأبحاث وأوراق العمل، ويناقشني فيها نقاشًا علميًا عميقًا.

وأختم بالأستاذ الدكتور زكي إبراهيم، أستاذ الفيزياء ورياضة الكون والمجرة بجامعة القاهرة؛ فقد كان دقيقًا ومتمكنًا في مادته، وكانت ميزته الكبرى أنه يبعث فينا روح الاعتزاز دون كِبر، ويغرس فينا الثقة دون غرور.

هذه صفحات من الذاكرة تشهد لأولئك الأعلام من الأساتذة الذين تتلمذت على أيديهم، ولكل أستاذ مخلص؛ بأن الأجيال لا تنسى، وأن الأستاذ الحقيقي يبقى أثره في تلميذه ما بقي.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى