المقالات

النموذج السعودي لتحويل المدن الذكية إلى عوائد اقتصادية مستدامة د. علي محمد الحازمي

مع إعلان العديد من المؤسسات العالمية أن عام 2026 هو عام الذكاء الاصطناعي، لم تعد التقنية خياراً شكلياً للمدن، حيث أنها ضرورة استراتيجية ملحة لتحويل البيانات إلى ثروة. وتقود المملكة العربية السعودية اليوم هذا التحول عبر رؤية 2030 التي جعلت من الذكاء الاصطناعي رافعة أساسية لبناء مدن ذكية تحقق الاستدامة المالية وتحافظ على الموارد. فالتحول الرقمي اليوم هو قرار اقتصادي أولاً، هدفه رفع كفاءة الإنفاق وتحسين جودة الحياة وجذب الاستثمار.

تكمن الأهمية هنا في نقل إدارة المدن من الاستجابة المتأخرة إلى التنبؤ الاستباقي. الذكاء الاصطناعي يحول ملايين البيانات من الشوارع والشبكات إلى قرارات تخفض الهدر وترفع الإنتاجية. الهدف السعودي واضح، ويكمن في بناء نموذج حضري يضع المملكة في المركز الأول عالمياً بمؤشر المدن الذكية، مع تحقيق عائد اقتصادي ملموس. ويؤكد محللو ماكينزي أن المدن الذكية قادرة على رفع الناتج المحلي 10%، بينما تستهدف سدايا أن يسهم الذكاء الاصطناعي بـ 500 مليار ريال في الناتج المحلي للمملكة بحلول 2030. والدليل المحلي موجود. حيث أمانة منطقة الرياض أعلنت أن مشروع الإنارة الذكية خفض استهلاك الطاقة 65% ووفر أكثر من 90 مليون ريال سنوياً من فاتورة الكهرباء والصيانة، وهو نموذج مصغر لما يمكن تعميمه.

تقوم المدن الذكية على ثلاثة عناصر. الأول هو بنية تحتية رقمية موحدة تجمع البيانات لحظياً من الكهرباء والمياه والمرور والصحة. الثاني هو منصات تحليل تنبؤي تحول البيانات إلى خطط اقتصادية. الثالث هو تشريعات مرنة تسمح باختبار التقنيات وتوسيعها بسرعة. أما الأدوات فهي تعلم الآلة لكشف أنماط الاستهلاك، وإنترنت الأشياء لربط أجهزة الاستشعار بغرف التحكم، والحوسبة السحابية لمعالجة البيانات الضخمة، والتوائم الرقمية التي تعني إنشاء نسخة افتراضية للمدينة لاختبار المشاريع قبل صرف ريال واحد على الأرض. المملكة تطبق هذا النموذج في نيوم وذا لاين والقدية، حيث تُدار المدينة بخوارزميات مركزية تضبط الطاقة وتحرك النقل وتدير النفايات ذاتياً.

ويرى الخبير الدولي الدكتور بويد كوهين أن دمج الذكاء الاصطناعي في التخطيط يحقق ثلاث نتائج: كفاءة تشغيلية، واستدامة بيئية، وجاذبية استثمارية. وهذا ما تنفذه الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي عبر سدايا التي تستهدف تدريب 20 ألف متخصص وخلق 300 شركة ناشئة. آلية التنفيذ تبدأ بتحديد الأهداف، ثم بناء الشبكة الرقمية، ثم نشر الحلول الذكية. فالشبكات الكهربائية الذكية تكتشف العطل قبل انقطاع التيار، وحساسات المياه تعالج التسرب ذاتياً، وأنظمة المرور قللت زمن الرحلات في المدن التي طبقتها 25% حسب المنتدى الاقتصادي العالمي.

العائد الاقتصادي والحفاظ على الموارد العائد مضاعف. مالياً، تقدر PWC أن الذكاء الاصطناعي يوفر على مدن الشرق الأوسط 320 مليار دولار سنوياً بحلول 2030. في الطاقة، خفض الفاقد 30% يعني مليارات تعود للميزانية. في المياه، كل تسرب يُكتشف مبكراً يحافظ على ملايين الأمتار المكعبة. بيئياً، الترشيد يخفض البصمة الكربونية ويخدم مبادرة السعودية الخضراء. استثمارياً، المدن الذكية ترفع تصنيف المملكة وتجذب الصناديق التقنية. كما تولد المدن الذكية بيانات يمكن تحويلها لإيرادات عبر بيع رؤى مجهولة المصدر لشركات النقل واللوجستيات، وترفع قيمة الأراضي المحيطة بالمشاريع الذكية، وتخلق وظائف نوعية أكد عليها معالي الدكتور عبدالله الغامدي رئيس سدايا بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

التحول لا يخلو من تحديات يجب إدارتها بشفافية. التحدي الأول هو الخصوصية وأمن البيانات، وحله يكون عبر تشفير البيانات واعتماد الحوسبة على الحافة بحيث تُعالج البيانات داخل المدينة دون نقلها. التحدي الثاني هو التكلفة الأولية للبنية التحتية، وحلها هو نظام التعاقد على الأداء حيث تدفع الشركات المنفذة تكاليفها من الوفر الذي تحققه فعلياً. التحدي الثالث هو نقص الكفاءات المتخصصة، وحله برامج سدايا لتأهيل 20 ألف متخصص وشراكات الجامعات مع نيوم لإنشاء مسارات دراسات عليا في المدن الذكية.

في عام الذكاء الاصطناعي 2026، الرهان السعودي رابح لأنه يقاس بالأرقام. ولتحويل الرؤية إلى نتائج، يجب تأسيس مكتب مركزي لإدارة بيانات المدن في كل أمانة يرتبط بسدايا، ويقاس نجاحه بوصول نسبة تكامل البيانات بين القطاعات إلى 90% خلال ثمانية عشر شهراً. ويجب إلزام كل مشروع بلدي جديد بتضمين بند العائد من الذكاء الاصطناعي في دراسة الجدوى، على ألا تقل صافي القيمة الحالية للوفر المتوقع عن 15% من تكلفة المشروع. ويجب طرح مشاريع كفاءة الطاقة والمياه بنظام التعاقد على الأداء بحيث تُسدد 100% من تكلفة المشروع من الوفر المحقق خلال خمس سنوات. ويجب اقتطاع 5% من ميزانيات التشغيل الحالية للتحول الرقمي على ألا تتجاوز فترة استرداد الاستثمار ستة وثلاثين شهراً. وأخيراً، يجب إطلاق منصة وطنية مفتوحة للبيانات الحضرية، ويقاس نجاحها بتطوير مائة تطبيق فعال عليها خلال عامين. بهذه الأرقام الملزمة، يصبح كل ريال يُستثمر اليوم في الخوارزميات نمواً واستدامة وريادة عالمية غداً، ويتحول النموذج السعودي إلى معيار دولي يُحتذى به.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى