لا أحد ينكر أهمية تطوير الأنظمة وتحسين آليات التوظيف والتوزيع، والنقل ، إلا أن التطوير الحقيقي هو ما يوازن بين الكفاءة والإنصاف، وبين الأرقام والإنسان.ففي الوقت الذي كان فيه المعلمون والمعلمات في كل عام يترقبون حركة النقل الخارجي كما يُترقب المطر في مواسم الجفاف، جاء برنامج فرص ليعيد ترتيب المشهد، لا بوصفه نافذة أمل كما يوحي اسمه، بل كمعادلة جديدة أربكت حسابات الميدان التربوي، وضيّقت مساحات الانتقال التي طال انتظارها فبات واقعاً مؤلماً وهاجساً مخيفاً،لاسيما وأن حركة النقل بنوعيها الخارجي والداخلي تعد بمثابة صمام إنساني قبل أن تكون إجراءً إدارياً؛ يقرّب البعيد، ويجمع شتات الأسر، ويمنح المعلم قدراً من الاستقرار النفسي والبدني الذي ينعكس مباشرة على أدائه مع طلابه داخل الفصل.
والمفارقة المؤلمة أن البرنامج، الذي يفترض أن يعزز العدالة والكفاءة، خلق شعوراً متنامياً لدى شريحة واسعة من المعلمين والمعلمات بأن فرصهم تقلصت لا توسعت، وأن معايير المفاضلة لم تعد تُقرأ بسهولة كما في السابق ، فقد أصبحت الحركة تدور في فلك سد الثغرات الطارئة فقط، مما جعل النقل للرغبة الأولى حلمًا بعيد المنال. وكأن الوزارة نسيت أو تناست أن المعلم ليس رقماً في حركة وليس رقماً في جدول مفاضلة، وأن طلبه للنقل ليس ترفيهاً بل نهاية لقصة حياة مؤجلة، فكم من أب أو أم يحلمان بالقرب، وكم من معلم ومعلمة يحمل في قلبه حنيناً لدياره وأهلها لا تقيسه الخوارزميات الحديثة.
وختاماً فإن برنامج فرص وبلا شك يعد خطوة حضارية في سبيل التنظيم والشفافية، لكن يبقى قياس النجاح الحقيقي لأي نظام تقني في قطاع التعليم بمدى قدرته على تحقيق الرضا الوظيفي.ومن هنا فإن الميدان لا يطالب بإلغاء التقنية، بل يطالب بانسنتها قبل رقمنتها ، كما يطالب بأن يفتح برنامج فرص أبواباً لا أن يوصدها، وأن يدرك صُنّاع القرار أن تقليل فرص النقل قد يوفر استقراراً في الميزانيات أو الأعداد، لكنه قد يستنزف -على المدى البعيد- طاقة المعلم وشغفه الذي هو وقود العملية التعليمية برمتها.فهل نرى في النسخ القادمة من فرص مرونة تراعي تضاريس الحياة كما تراعي بيانات النظام؟!
وخزة قلم :
ما بين فرص وضياع الفرص تحول الحلم بالاستقرار إلى رقم مجهول في معادلة تقنية معقدة .






