ليس كل من اعتلى منصبا صار عظيما، ولا كل من تولى ادارة بقي اثره في النفوس بعد رحيله؛ فالمناصب مهما علت زائلة، اما الاخلاق فتبقى حية في ذاكرة الناس، تتناقلها الالسن، وتحفظها القلوب، ويشهد بها كل من اقترب من صاحبها او تعامل معه.
ومن اولئك الرجال الذين كنت قريبا منهم والذين مروا على المناصب فازدانت بهم، ولم يمروا هم بها مرور العابرين، الدكتور محمد بن علي العقلا، الرئيس السابق للجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة ووكيل الدراسات العليا بأم القرى، الذي جمع بين نجاح الاداري المتمكن، وقلب الانسان الرحيم، وروح المربي الحكيم، فكان مثالا للقائد الذي لم تغيره المناصب، بل زادته قربا من الناس، وتواضعا، واحساسا بمسؤولية الكلمة والموقع.
لقد احبه الناس في حياته، وبكوه بعد مماته، لا لانه شغل منصبا رفيعا فحسب، بل لانه ترك في القلوب اثرا لا ينسى، وسيرة لا تزال تروى بالوفاء والمحبة والدعاء.
قيادة ادارية صنعت النجاح
حين يذكر النجاح الاداري في المؤسسات الاكاديمية، فان اسم الدكتور محمد العقلا يبرز بوصفه نموذجا للقائد الذي امتلك رؤية واضحة، وعقلية مؤسسية ناضجة، استطاع من خلالها ان يقود الجامعة الاسلامية الى مرحلة من التطوير والتنظيم والعمل المتوازن.
فلم يكن يؤمن بالادارة القائمة على الفردية او حب الظهور، بل كان يرى ان نجاح المؤسسات يتحقق ببناء فرق العمل، وتمكين الكفاءات، واشراك الجميع في صناعة النجاح. ولذلك احاط نفسه باهل الخبرة والتميز، ومنحهم الثقة والصلاحيات، وفتح لهم المجال للابداع والمبادرة.
وكان يدرك ان الموظف اذا شعر بالتقدير والثقة تحول الى شريك حقيقي في النجاح، ولهذا استطاع ان يخلق بيئة عمل يسودها الاحترام والتعاون وروح الفريق، بعيدا عن التعقيد الاداري او المركزية المرهقة.
ومن ابرز اسرار نجاحه الاداري أنه لم يكن مسؤولا مكتبيا يكتفي بالتقارير والمعاملات، بل كان حاضرا في الميدان، يتابع المشاريع بنفسه، ويتفقد سير العمل، ويقف على احتياجات العاملين والطلاب عن قرب، مؤمنا ان القائد الحقيقي هو من يعيش تفاصيل مؤسسته لا من يراقبها من خلف الابواب المغلقة.
وقد انعكس هذا النهج على اداء الجامعة وتطورها، وعلى مستوى الرضا والمحبة التي حظي بها بين منسوبيها.
التواضع.. خلق الكبار
وعلى الرغم من مكانته العلمية والادارية، فان اكثر ما كان يلفت الناس في الدكتور العقلا تواضعه الصادق وبساطته الراقية. فلم يكن يرى في المنصب سلطة للتعالي، بل مسؤولية لخدمة الناس.
كان يدخل المجالس بروح الانسان القريب، لا بروح المسؤول المتكلف، ويبادر بالسلام، ويستمع للصغير قبل الكبير، ويعامل الجميع باحترام وتقدير، حتى يشعر من يجلس معه انه امام رجل يعرف قيمة البشر لا قيمة المناصب.
وكثيرا ما تحدث من عرفوه عن مواقف تظهر هذا التواضع النادر؛ فقد كان يفتح بابه للطلاب والموظفين دون تكلف، ويستمع لشكواهم بنفسه، ويحرص على متابعة احتياجاتهم، وكأنه واحد منهم لا رئيس عليهم.
وقد صدق الشاعر حين قال:
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي انت سائله
فكان رحمه الله يشعر الناس بقيمتهم، ويجعلهم يخرجون من عنده وهم يحملون في قلوبهم راحة ومحبة.
قلب مفتوح وسعي في قضاء الحوائج
ومن الصفات التي التصقت باسم الدكتور محمد العقلا، حرصه الكبير على خدمة الناس والسعي في قضاء حوائجهم. فلم يكن ممن يرون في المسؤولية وجاهة او امتيازا شخصيا، بل كان يعتبرها بابا لخدمة الاخرين ونفعهم.
وكان كثير السعي في الاصلاح بين الناس، ومساعدة المحتاجين، وتيسير امور الطلاب والموظفين، حتى اصبح ذلك جزءا من صورته في اذهان من عرفوه. وكثيرا ما تدخل لحل مشكلات انسانية او ادارية بصمت واخلاص، بعيدا عن حب الظهور او انتظار الثناء.
وكان يفرح حين يستطيع ان يزيل هما عن انسان، او يفتح باب خير لطالب، او يساعد محتاجا في امر يعجز عنه، وكان يرى سعادته الحقيقية في العطاء نفسه.
وقد قال الشاعر:
وافضل الناس مابين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
وهكذا كان رحمه الله؛ صاحب يد ممتدة بالخير، وقلب امتلأ رحمة واحسانا.
علاقته بالطلاب.. اب قبل ان يكون رئيسا
كانت علاقته بالطلاب واحدة من اجمل صفحات سيرته، فقد كان قريبا منهم الى درجة جعلت كثيرا منهم يرونه ابا ومربيا قبل ان يكون رئيس جامعة.
وكان يهتم خصوصا بالطلاب الوافدين، ويشعر بما يعيشونه من غربة واحتياجات، فيحرص على تفقد احوالهم، والسؤال عن مشكلاتهم، والعمل على تهيئة البيئة المناسبة لهم علميا وانسانيا ونفسيا.
ولم يكن ينظر الى الطالب بوصفه رقما اكاديميا او ملفا اداريا، بل كان يرى فيه انسانا يحتاج الى من يسمعه ويحتويه ويوجهه. ولهذا بقيت في ذاكرة كثير من طلابه مواقف انسانية مؤثرة، وكلمات تشجيع، ولفتات ابوية لا تنسى.
وكان يؤمن ان بناء الانسان اهم من بناء المباني، وان رسالة الجامعة لا تقتصر على التعليم فقط، بل تمتد الى التربية وصناعة القدوات وغرس القيم.
العدل وتمكين الكفاءات
ومن الجوانب التي رسخت نجاحه واحترام الناس له، حرصه على العدل والانصاف في العمل الاداري. فقد كان يقدر المجتهدين، ويمنح الفرص لاصحاب الكفاءة، ويحاول ان يضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وكان بعيدا ما استطاع عن المجاملات والمحسوبيات، مؤمنا ان العدالة هي اساس نجاح المؤسسات واستقرارها. ولذلك شعر كثير من العاملين معه بانهم يعملون في بيئة تحترم الجهد وتقدر الاخلاص.
كما كان يؤمن باهمية تمكين الكفاءات، وتشجيع المبادرات، وفتح المجال امام الطاقات الجديدة، سواء في الجوانب الاكاديمية او الادارية، وكان يرى ان المؤسسات لا تتطور الا اذا اعطيت الفرصة لاهل القدرة والتميز.
الثناء عليه حيا وبعد الرحيل
لقد نال الدكتور محمد العقلا محبة الناس وثناءهم في حياته، لما لمسوه فيه من خلق كريم، وتواضع صادق، وعدل واحسان. لكن اجمل ما في سيرته ان هذا الحب لم ينقطع بعد وفاته، بل ازداد حضورا ووضوحا.
فقد امتلأت كلمات الرثاء والدعاء بذكر مواقفه الانسانية واخلاقه العالية، وتحدث طلابه وزملاؤه ومحبوّه عن اثره الجميل في حياتهم، وعن لطفه وبشاشته وسعيه في الخير، حتى بدا وكأن الجميع فقدوا قريبا لهم لا مجرد مسؤول سابق.
وهذه والله من اعظم علامات القبول؛ ان يرحل الانسان ويبقى الناس يذكرونه بالخير ويدعون له بمحبة وصدق.
وقد احسن الشاعر حين قال:
اذا مات ذو الاحسان خلف ذكره
وان مات ذو الاحقاد مات وما دروا
وقال اخر:
وما الناس الا ذكر من عاش بينهم
فاما جميل او حديث يقبح
اثر لا يموت
لقد كان الدكتور محمد العقلا واحدا من اولئك الرجال الذين يتركون اثرهم في القلوب قبل المؤسسات، وفي النفوس قبل الاوراق والسجلات.
كان قائدا ناجحا، ومربيا مؤثرا، وانسانا متواضعا، جمع بين قوة الادارة ورقة القلب، وبين الحزم والرحمة، وبين التطوير والانسانية.
وربما تنتهي المناصب يوما، وتنسى كثير من الانجازات مع مرور الزمن، لكن الاخلاق العظيمة تبقى خالدة، لانها تسكن القلوب، والقلوب لا تنسى من احسن اليها.
رحم الله الدكتور محمد العقلا رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وعطاء واحسان في ميزان حسناته، فقد عاش كريما، ورحل عظيم الاثر، وبقيت سيرته شاهدا على ان الرجال الحقيقيين لا يرحلون تماما، لان اثارهم تبقى حية في دعوات الناس وذكرياتهم ومحبتهم.
انتقل معالي الدكتور محمد العقلا رحمه الله الى جوار ربه بعد معاناة مع المرض في 2 ديسمبر 2025م الموافق 11 جمادى الآخرة 1447هـ.
رحمه الله رحمة الابرار واكثر في الأمة من امثاله وجمعنا به في دار كرامته.




