ليس من الانصاف ان تختزل مكافاة الطالب الجامعي في كونها حافزا قديما انتهت الحاجة اليه، ثم ينادى بالغائها من ينادي وكأنها عبء لا فائدة منه. فهذه المكافاة لم تكن يوما رفاهية، بل كانت وما زالت عونا لطالب العلم على طريق مليء بالتكاليف والضغوط.
طالب الجامعة اليوم ليس صورة واحدة؛ بل حالات متعددة وظروف متباينة. منهم من يقطع مسافات طويلة يوميا، ومنهم من يسكن بعيدا عن اهله، ومنهم من يتحمل ايجارات ومواصلات وكتبا واحتياجات معيشية، ومنهم من لا يجد موردا ثابتا الا هذه المكافاة التي تحفظ له الحد الادنى من الاستقرار. فكيف يطلب منه التفوق والتركيز، ثم ينتزع منه سبب من اهم اسباب تفرغه؟
والدولة حين تصرف هذه الاعانة فانها لا تمن بها، بل تستثمر في الانسان؛ لان الطالب اليوم هو بناء الوطن غدا. وكل ريال يصرف على طالب العلم يعود اثره في عقل، او تخصص، او اختراع، او خدمة للمجتمع في المستقبل.
ثم ان من يتحدث عن الغائها كثيرا لا ينظر من زاوية الحاجة، بل من زاوية الاستغناء. ولو كانت اوضاعهم صعبة، او عاشوا واقع الطالب المحتاج، لما طالبوا بالغائها، ولكنها اريحية الراي حين تصدر من غير معاناة. ولأجل ذلك قيل ان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن لم يعش الحاجة قد يظن القليل كثيرا، او الضرورة ترفا.
وهنا يظهر خلل اخر في طبيعة النقاشات المعاصرة؛ فكما ان الناس اليوم تكثر عندهم النقاشات في التفاهات لان الجميع يحسنها، بينما القضايا الجادة لا يستوعبها الا القليل، كذلك الشأن هنا؛ تتصدر اراء سطحية في قضايا تمس حياة الاف الطلاب، بينما يغيب الفهم العميق للواقع.
وقد قيل في المعنى
ومن لم يذق مر التعلم ساعة
تجرع ذل الجهل طول حياته
ويقول المتنبي
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وفي معنى الحاجة وعدم ادراكها
اذا انت لم تشرب مرارا على القذى
ظمئت واي الناس تصفو مشاربه
ومن واقع التجربة تتجلى الصورة اكثر من اي تنظير
مرة التقيت طالبا يقول ان رصيده قد نفد ولا يملك حتى 5 ريالات ليعبي بها بنزين لسيارته.
ومرة طالب يقطع يوميا مسافة تقارب 200 كيلومتر يقول انه لا يملك مالا لسيارة توصله ولا يستطيع السكن في المدينة لان اسرته في قرية نائية وهو المسؤول الوحيد بعد وفاة والده ويدفع لهم اجرة السكن والمعيشة من مكافاته فيعتذر عن المحاضرة
هذه ليست حالات استثنائية هامشية بل نماذج متكررة لواقع لا يراه من يتحدث من بعيد. ولو عرضت هذه الصور امام من يدعو الى الغاء المكافاة لتغير ميزان الحكم او على الاقل لتوقف عن التعميم.
وهكذا فان دعم طلاب العلم ليس انفاقا يستكثر بل هو استثمار في المستقبل واعانة على طريق لا يبنى الا بالصبر والتمكين. واي سياسة تضعف الطالب او تثقله بدل ان تعينه فهي لا تمس فردا بعينه بل تمس جودة العلم ونتائجه ومستقبل المجتمع بأكمله.
نسأل الله ان يجزي ولاة امرنا خير الجزاء وان يبارك في جهودهم لما فيه مصلحة الوطن والمواطن وان يديم على بلادنا نعمة الامن والاستقرار ويزيدها رفعة في العلم والعمل انه سميع مجيب.




