نعم، هل الفراق حكرٌ على العشاق، والذين هم في حياتهم بين تلاقٍ وفراق، وكلٌّ له حضورٌ في هذا السياق؟ قد يكون هذا التصور هو السائد، وربما هو ولا غيره الذي يخطر في بال كل ذي لُبٍّ وقلب، فما الحب إلا الحب بين محبَّين.
ولكن الواقع يقول غير ذلك، فهناك شوقٌ وتوقٌ إلى أشياء نألفها، ترافقنا كالظل، ولا نشعر بها إلا حين الفراق أو حين الحاجة، وربما لم تعد تصلح لمرافقتنا لأسبابٍ معظمها من تفاصيل حياتنا.
ونمضي في هذا السياق، حيث نرى أن الأحبة ليسوا فقط البشر، بل فوجٌ من عناصر الحياة، أحبةٌ لا نتوقعهم، يظهرون على مسرح ذكرياتنا كوميضٍ في وقت شوقٍ غلبه الفراق، فنراجع الذكرى، فتبدو لنا سيرُ عشقٍ كامن، وهو حاضرٌ في القلب، أخفاه التعود وأحضرته المعاناة.
وسنرى كيف هزَّ فراقُ قطٍّ ابنَ العلاف، فقال:
يا هِرُّ فارقتَ السرورَ معًا
فلقد مضى بكَ للقبورِ عميدُ
ما كانَ أصبرَني عليكَ، وإنما
صبري عليكَ من الفراقِ يَبيدُ
وأيضًا، من الرواية الأخرى المشهورة، ابن الكندي عن الفراق، وكيف أن قطع الجماد تكاد أن تتكلما، يقول:
لا تسألِ الدارَ عمَّن كان يسكنها
البابُ يخبرُ أنَّ القومَ قد رحلوا
ما أبلغَ الصمتَ لما جئتُ أسألهُ
صمتٌ يعاتبُ من خانوهُ وارتحلوا
أما ابن العلاف فمزج بين الحالين، وكيف أن الخيال هو أيضًا له روحٌ تُفقد وتُذكر، فقال:
ولما انتهينا للخيال الذي سرى
إذا الدارُ قفرٌ والمزارُ بعيدُ
فقلتُ لعيني عاودي النومَ واهجعي
لعلَّ خيالًا طارقًا سيعودُ
البشر أحيانًا يستغربون حزن الإنسان على حيوان، أو مكان، أو حتى غرضٍ قديم، مع أن الحقيقة أن الذاكرة لا تحفظ القيمة المادية، بل تحفظ الألفة.
أحد أفراد العائلة احتفظ بعصا والده سنواتٍ طويلة، وكأنها فردٌ من العائلة، تذكره بسنوات والده الأخيرة وهو يتوكأ عليها، ويرفض أن يعاونه أحدهم، ويقول مازحًا: هذه حبيبتي وحلم خيالي، ثم يهزها مازحًا: العصا لمن عصا يا حبايبي. طبعًا ما هي لكم، فأنتم الحب وكل الرضا والبر.
وآخر يرفض تغيير سيارته القديمة رغم كثرة أعطالها، لأنها شهدت مراحل عمره، شهدت الحلوة والمرة، وبين بين، لما كان وأصحاب الشباب يصنعون حلو الذكريات، وإن كانت على ما قسم وما قسم، في ذلك الوقت القليل، ولكنه جميل وثمين في ميزان السعادة والذكريات الممتعة.
وهنا قطٌّ يعود كل يوم إلى باب بيتٍ هُجر منذ سنوات، وكأنه لا ينسى العيش والملح، وكان ملحه وعيشه قطعة لحمٍ زغنونة، والحلا طبطبة يدٍ حنونة تشعره أنه فردٌ من أهل البيت الطيبين. لكن وينهم؟ ولماذا لم يأخذوني معهم؟ ولكن مهما كان الغياب، لا زلت أحبهم.
وما قصة الكلب الياباني هاتشيكو، الذي تعود على مصاحبة المدرس عدة سنوات إلى محطة القطار، وبعدما توفي صاحبه استمر عشر سنوات يذهب إلى المحطة، لا يتخلف يومًا. إنها ذكرى مفعمة بالمشاعر، تتحدى حتى مشاعر إنسانية تتذكر، ولكن قد تنسى، أما الكلب فلم ينسَ حتى لحق برفيق حياته.
وهناك طائرٌ يعود إلى مكان عشه القديم، فلا يجد سوى أغصانٍ يابسة، فيحوم حولها قليلًا ثم يرحل، وهو يدندن: أين عصافيري التي أهملتها؟ وكانت غلطة حياتي. مع أن الشجرة نفسها، بعد غياب أصحابها، ذبلت وتهاوت أغصانها قبل أوراقها، وكأنها تشكو فراقهم قبل دلو ماءٍ كان دليل الأحباب، وأنهم قريبون.
أما ساعة الحائط فهي صامتة، لا تتحرك عقاربها، وهي التي كلما عزفت أوتارها في أوقات الطعام، إذا بالوالد ينادي: هيا، السفرة ملأى والطعام لذيذ. لقد صمتت، وتركوها كما هي، فلماذا تصحو فتوقظ المشاعر الساكنة، وإن كانت تخبئ كل ما حوته الذكريات، حلوها ومرها؟
هكذا، في هذه الحياة، كلٌّ على همه سرى، ندفن مشاعرنا وكأننا سلونا، والأحباب والأصحاب كذلك. كلٌّ يراعي مشاعر الآخرين، ولكن هيهات، فالمفارق تفضحه العيون، وخطوطٌ مرسومةٌ على أوجهنا، وإن أفرطنا في الابتسامات لنخفي ما فات وما هو آتٍ.
0






