مرت عليَّ، كما مرت على غيري، مواقف كثيرة، وكان ثمنها الباهظ عدم التعبئة من أول محطة.
ولست أقصد هنا محطة الوقود وحدها، وإنما أول فرصة تطرق عليّ باب الإنسان، وربما كانت ضربة حظ فيزهد فيها، معتقدًا أن الفرص تقف بالطابور تنتظر حضرته، وأنه سيختار منها ما يشاء، ويتنقى كما يحلو له، وكأن الدنيا لن تنشغل إلا به.وكأن مافي البلد إلا هذا الولد.
وأحيانًا لا يكتفي برفض الفرصة الأولى، بل يرفض الثانية أيضًا، ويتعزز علي الفرص وعلي قول طلال مداح ولا يتعزز إلا علينا علينا. فجنابه ما زال يعتقد أن الثالثة ستكون أفضل، والرابعة أجمل، والخامسة ستأتي إليه وهي تحمل باقة ورد! فبينما يجلس صاحبنا ينتظر الفرصة المثالية، تكون الطيور قد طارت بأرزاقها، وتركت له الحسرات فقد قام صيادو الفرص بمايلزم و سبقوه إليها، فعادوا بالغنائم، وبعدين ايضا كما غني طلال لا بكا ينفع ولا شكوي تقيد.
يحكي لي أحد الأصدقاء أنه كان مسافرًا من الطائف إلى الرياض قبل سنوات طويلة، وكان الوقود في سيارته متوسط التعبئة . وكان يرافقه صديق عمره، فقال له: يا فلان، خلنا نعبي من المحطة الجاية. فرد عليه بثقة: بتعلمني طريق الرياض؟ شكلك عليمي وما تعرف الطرق السفرات لها رجالها. فرد صاحبه طيب يافالح قدني عارفك هيا ورينا طولك قد ايش قد الكبابة في العيش. رد فلان أنا لها لا تشيل هم، وما فيه داعي للصريعة حقتك .
تجاوزا المحطة الأولى، ثم وصلا إلى الثانية، فقال لصاحبه: لا عليك، عارفك مستعجل لكن المحطة القادمة أكبر وأجمل، وفيها مقهى ممتاز نضرب براد الشاهي ونعمر ونخليها فلة …و نعبي منها، البنزين .
وفعلًا… كفاهم الوقود حتى وصلوا إليها، ولكن كانت المفاجأة أن المحطة مغلقة للصيانة والإصلاح.فناظر في صاحبه وقال هيا لا تعملها حكاية وتتندر فيا وخليها بيني وبينك تكفا لا تعلم احد.
ويذكر صاحبي أنهما عانيا الأمرين حتى وجدا من يمنحهما قليلًا من الوقود، حتي وصلا الي محطة أخرى، لكن بعد عناء طويل، والأهم من ذلك أنهما وصلا متأخرين، وفاتتهما المناسبة المهمة التي كانا قد سافرا من أجلها.
من يومها أيقنت أن عبارة “عَبِّ من أول محطة” ليست خاصة بالبنزين، بل بالحياة كلها.فهذا مثلاً • شاب جاءته وظيفة فقال: سأنتظر الأفضل… فضاعت الأولى، ولم تأت الثانية.
•وشاب حصل علي إبتعاث الي إسكتلندا فقال أهلها عندهم فظاظة وبخلاء لا أريدها. سأنتظر حتي تأتي بعثة الي بلد أفضل وأجمل . فذهب غيره الي البخلاء ولم تأته بعثة الكرماء والودودين .
• تاجر عرضت عليه صفقة مضمونة، فأخذ يساوم حتى سبقه غيره.
فالفرص محطات، والعلاقات محطات، والعمل محطة، والعلم محطة، وحتى الاعتذار محطة.
ولا تدري… هل ستجد في طريقك محطة أخرى، أم أن هذه هي الأولى والأخيرة.
. الحياة وتجاربها تعلمنا حكمتين : إذا جاءت الفرصة فعبِّ من أول محطة، وإذا اكتشفت أنك في الطريق الخطأ، فانزل في أول محطة وذلك كما يقول المثل الروسي . إذا استقليت القطار الخطأ، فانزل في أول محطة.” وما بين المحطتين… يكتب الإنسان كثيرًا من قصة عمره.
العجيب أن بعض الناس لا يكتفي بركوب القطار الخطأ، بل يجلس فيه مطمئنًا، ويطلب قهوة، وينظر من النافذة ويقرأ الصحف ، وربما يجول في ممرات القطار مستعرضاً خفة دمه التي بينها وبينه ما صنع الحداد ثم إذا وصل إلى مدينة لا يعرفها، بدأ يلوم القطار الذي لم يوقظه من سباته !
0




