كتاب الرأي

حين يبلغ الصبر منتهاه

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم يكد يمر عام إلا وشهدت منطقتنا أزمة جديدة، أو توترًا سياسيًا، أو صراعًا مسلحًا، أو تدخلًا في شؤون دولة عربية. أربعة عقود وأكثر، وشعوب المنطقة تدفع ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها وتنميتها، بينما تتبدل الوجوه وتبقى السياسة ذاتها.
وأنا كمواطن ، عاصرت هذه العقود بكل ما حملته من أحداث. لم أر يومًا خلت فيه المنطقة من قلق كان لإيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نصيب فيه. وفي المقابل، لم تكن المملكة العربية السعودية هي من ينوي إعتداء أو بإنشاء أي توتر ، ولا كانت يومًا تسعى إلى إشعال الحروب أو تصدير الأزمات، بل انتهجت سياسة ضبط النفس، وقدمت الحكمة على الانفعال، والحوار على المواجهة، إيمانًا منها بأن الحروب، مهما كانت نتائجها، لا تخلّف إلا الخراب.
تحملت المملكة، كما تحملت دول الخليج، كثيرًا من الاستفزازات، وواجهت التحديات بالصبر، وحرصت على ألا تنجر المنطقة إلى صراع مفتوح لا يعرف أحد متى ينتهي. وكانت الأولوية دائمًا حماية الإنسان، والحفاظ على الاقتصاد، وصيانة أمن المنطقة واستقرارها.
لكن للصبر حدودًا، وللحكمة أيضًا حدود عندما تتحول إلى فرصة يستغلها الطرف الآخر لمزيد من التصعيد. فليس من المنطق أن يبقى المعتدي مطمئنًا إلى أن ردود الأفعال ستظل كما في مخيلته مهما بلغت تجاوزاته.وفي جهة اخري أن البلاد التي حكوماتها مجرد واجهة لمليشيات تأمر فتطاع وتنهي فتجاب وهي مجرد حاضن لها هذه لن يصلح حالها ولن يرجي منها خيراً. ولابد من وقفة حازمة معها ڤأما أن تكون دولة وتعامل كذلك وأما تظل تحت رحمة سلاح الميليشيات وتعامل مثلهم.
إن الحديث هنا ليس دعوة إلى الحروب فالدول لها سياساتها وحساباتها وقادتها ادري بمصالحها ، فالحرب ليست أمنية عاقل، وإنما هي حديث نفس عن حق مشروع في الدفاع عن الأمن الوطني إذا دعت الحاجة والضرورة ، وردع كل من يهدد استقرار المنطقة أو يعبث بأمن شعوبها. فالسلام الحقيقي يقوم على التوازن، وعلى أن يدرك كل طرف أن هناك ثمنًا لأي اعتداء.
ولعل المرحلة الراهنة تمثل فرصة لدول الخليج لإعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي، وتوحيد المواقف، وتعزيز قدراتها الدفاعية والسياسية، حتى يعلم كل من يفكر في العبث بأمنها أن زمن الصبر المفتوح قد انتهى، وأن حسن الجوار لا يُفرض بالشعارات، بل بالاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الآخرين. وعلي ايران أن تعلم أن خسائرها في الحروب كبيرة لن تتحملها فلا تظل تسرح وتمرح لا رقيب ولا حسيب. في هذه الأيام المليئة بالمخاوف والتطرف يطل أذناب الخيانات كالحوثي ومن علي شاكلته ليلعبوا ككومبارس للمعممين في مسرحية -عنوانها الغدر طبعنا والخيانة في دمنا-. هم اسماً عرب ولكن العروبة منهم براء. ويعتقد هؤلاء المارقين أنها فرصة مواتية لتحقيق أحلامهم الوهمية. لقد رضوا بذلك فتباً لهم. سيأتي يوم يتمنون فيه أن تعطي الفرصة لهم ثانية لإصلاح ما أفسد عطارهم ولكن هيهات.
لقد أثبتت التجارب أن التسامح مع مصادر التوتر لا يطفئها، بل قد يمنحها وقتًا أطول لتكبر. وخاصة مع من لا أمان له ولا ذمة. أما الردع الحكيم، القائم على القانون الدولي، وحماية السيادة، واحترام حقوق الدول، فهو الطريق الأقصر إلى سلام أكثر ثباتًا وعدلًا.
ولذلك، فإن آخر العلاج قد يكون الكي… ولكن لا يلجأ إليه المعالج إلا بعد أن تستنفد كافة ادواته وأدويته وربما حان وقت الكي لمن لا علاج له إلابه . . يقول الأمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه : إِذا هَبَّت رِياحُكَ فَاِغتَنِمها
فَعُقبى كُلُّ خافِقَةٍ سُكونُ
وَلا تَغفَل عَنِ الإِحسانِ فيها
فَما تَدري السُكونُ مَتى يَكونُ
وَإِن دَرَّت نِياقُكَ فَاِحتَلِبها
فَما تَدري الفَصيلُ لِمَن يَكونُ
إِذا ظَفِرَت يَداكَ فَلا تَقصِّر
فَإِنَّ الدَهرَ عادَتَهُ يَخونُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى