في السنوات الأخيرة، اتجه مجلس شؤون الجامعات إلى إعادة هيكلة بعض الكليات والتخصصات، خصوصًا في الفروع الجامعية بالمحافظات، عبر تقليص الأقسام النظرية، أو دمج بعض الكليات، وربما إلغاء أخرى، بهدف رفع الكفاءة، وترشيد الإنفاق، وربط المخرجات التعليمية باحتياجات سوق العمل، كما يُثار.
وقد تناول عدد من الكُتّاب هذه القضية، كلٌّ من زاويته، لما تمثله من أثر يتجاوز القرار الأكاديمي إلى البعد الاجتماعي والتنموي، غير أن هذه الزاوية التي أريد التعريج عليها تبدو في نظري جديرة بالتأمل؛ لأنها تتصل مباشرة بسؤال الهوية الوطنية وعلاقة الجامعة بالمكان والإنسان.
نعم قد يبدو توجه المجلس منطقيًا حين يُنظر إليه بلغة الأرقام وحدها، لكنه -بالتأكيد- سيحتاج إلى إعادة نظر حين يُنظر للجامعة باعتبارها أكثر من مجرد قاعات تدريس وشهادات أكاديمية، فالجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل هي حضور ثقافي، وذاكرة مكان، وحارس لهوية تمتد جذورها عميقًا في التاريخ والجغرافيا، ويتأكد ذلك في كليات الجامعات الواقعة في المحافظات.
خذ مثلًا جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز، هذه الجامعة التي تمتد كلياتها جغرافيًا عبر مساحة شاسعة من محافظات منطقة الرياض، من الخرج حتى وادي الدواسر، على امتداد مئات الكيلومترات في قلب الجزيرة العربية، وعلى تماس مباشر مع سلسلة جبال طويق؛ تلك الجبال التي لم تعد مجرد تكوين جغرافي، بل تحولت إلى رمز وطني ملهم منذ أن استحضرها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في خطابه الشهير قائلًا:
“همة السعوديين مثل جبل طويق”.
ومنذ تلك اللحظة، خرجت جبال طويق من صمت الجغرافيا إلى صوت التاريخ والهوية من جديد، وأصبحت رمزًا حاضرًا في الخطاب الوطني السعودي الحديث.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
إذا كانت طويق رمزًا للهوية الوطنية، أفلا تستحق المناطق الممتدة على سفوحها وعمقها الحضاري أن تمتلك مؤسسات معرفية تحفظ هذا الإرث، وتقرأه، وتعيد إنتاجه علميًا؟
إن تقليص الكليات النظرية في المحافظات لن يؤدي إلى تقليص المقاعد الأكاديمية فحسب، بل سيفضي كذلك إلى تراجع الحضور البحثي والعلمي في مناطق تحتاج إلى من يوثق تاريخها الشفهي، ويدرس تحولات مجتمعها، ويحفظ موروثها الثقافي، ويقرأ آثارها الاجتماعية واللغوية والأنثروبولوجية.
والمفارقة أن كثيرًا من تلك المحافظات تمتلك ثراءً حضاريًا وثقافيًا كبيرًا؛ من الإرث النجدي العريق، خاصة في مراحل الدولة السعودية المباركة، إلى طرق التجارة القديمة، والممالك التاريخية، والتنوع الاجتماعي والثقافي واللغوي، فضلًا عن الامتداد الجغرافي المرتبط بطويق، ما يجعلها بيئة مثالية لمراكز بحثية ودراسات تاريخية وثقافية متخصصة في علوم وفنون مختلفة، فحين تبقى الكليات والأقسام في تلك المحافظات؛ فإن الأثر الإيجابي لا يتوقف عند التعليم وحده، بل يمتد إلى التمثيل الإداري، والحضور الثقافي والبحثي، وإلى شعور المكان نفسه بأنه جزء حي من المشروع الوطني الكبير.
ومن المهم هنا التأكيد على أن ترشيد الإنفاق لا يعني بالضرورة تقليص التخصصات أو إلغاءها، فبعض التخصصات -وإن بدت كلفتها الرقمية مرتفعة في اللحظة الراهنة- قد تمثل موردًا وطنيًا ومعرفيًا بالغ الأهمية على المدى البعيد، والعائد من هذه التخصصات لا يُقاس بالجانب المادي وحده، بل بما تصنعه من ترسيخ للهوية، وتعميق للانتماء، وبناء للوعي الوطني، وهي قيم مهما أُنفق عليها فلن يعادل أثرها الممتد في الأجيال القادمة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى أن تتوسع نظرة مجلس شؤون الجامعات تجاه فروع الجامعات في المحافظات، بحيث لا تُدار بمنطق الجدوى الرقمية وحدها، وإنما بمنطق الأثر الوطني طويل المدى.
والحقيقة أن الأمر لا يقف على طويق وحده، وإنما ضُرب مثلًا على موضوع مهم، فلدينا إرث حضاري كبير، على جميع المستويات وفي مختلف المناطق الممتدة على طول المملكة العربية السعودية وعرضها، ويحتاج إلى كثير من الجهود العلمية والبحثية والمؤسسية لقراءته، وتوثيقه، وإحيائه، وربطه بالأجيال القادمة، وتحويله من مجرد ذاكرة تاريخية إلى وعي وطني حيٍّ يُسهم في بناء الإنسان، ويعزز انتماءه، ويمنحه شعورًا أعمق بعظمة هذه البلاد المباركة، التي ربطت دائمًا بين إعمار الأرض، وبناء الإنسان، وصناعة العلم، وتوثيق التاريخ، وترسيخ الهوية.
• أكاديمي وناقد سعودي

