إن الحج على ظهر الخيل وعلى الإبل وسيرًا على الأقدام ليس ضربًا من الخيال بل هو الماضي الذي عاشته المشاعر المقدسة في فترة تاريخية ليست بالبعيدة، وقد أدركت آلات التصوير شيئًا من ذلك، ونتناول في هذه المقالة صورتين بالوصف والبيان، فالأولى هي أقدم صورة ضوئية تاريخية لمناسك الحج، حيث التقطت للحجاج بمشعر منى قبل 146 عاماً، وتُظْهر تلك الصورة التي التقطت في حج 1880م الخيول التي كان يستخدمها الحجاج للتنقل، والخيام التي كانت تؤويهم، وهي صورة توحي بجمال الماضي وذكرياته المعبرة: ويظهر فيها الحطب، وتلقائية الإجراءات، وبدائية الخطوات، وأدوات الطبخ البسيطة، غير أنه يظهر معها الفقر والعوز، وانعدام وسائل الأمان والسلامة، كما نقرأ في تلك الصور القديمة عناء الحج ومشقة السفر، ووحشة الطريق والخوف والضنك، ولو أنصتنا إلى صوت التاريخ، وقلبنا صفحاته فسنجد سلبا ونهبا، وقتلا وسفكا للدماء، ونعود لعدد من المراجع من مختلف المشارب لضمان المصداقية في نقل الحدث؛ يقول عبد العزيز دولتشين في كتابه الحج قبل مائة سنة: سمعتُ بين الناس شتى الإشاعات والمخاوف عن هجوم قطاع الطرق؛ اليوم سلبوا أحد الحُجاج خمس ليرات، وقتلوا آخر وأخذوا أربعين ليرة، ثم يقول: في حضوري جاء جندي وأبلغ الضابط أن رفيقه الذي راح معه من جدة إلى مكة -اليوم- قتلوه بالحجارة.
وفي كتاب المختار من الرحلات الحجازية ورد أن علامة الشام تعرّض في سفره للحجاز سنة 1910م إلى سطو، وأخذ منه خمسين جنيها ذهبيا وأخذوا ملابسه… وأصبحت نفقته على رفيقه في الرحلة.
ولم يكن غريبا -آنذاك- أن يموت مئات أو آلاف الحجاج في سبيل وصولهم إلى الحج؛ فتفتك بهم الأمراض والأوبئة أو غيرها، في ظل ضعف أو انعدام مقومات الصحة والسلامة والنقل والاتصال، و لم تكن مصاعب الحج في الطريق فحسب؛ بل تستمر المصاعب حتى بعد الوصول إلى مكة المكرمة؛ فطالما تعرّض الحُجّاج إلى خطر السرقة أو اختلاف الفرق العسكرية القادمة مع قوافل الحج وتقاتلهم؛ دون اعتبار لحرمة المكان والزمان.
يقول إبراهيم رفعت صاحب كتاب مرآة الحرمين، واصفا حال زوار مكة المكرمة: من يريد زيارة جبل النور وهو جبل قريب من المسجد الحرام الذي يُوجد به غار حراء، كان عليه أن يحمل معه الماء الكافي، وأن يكون الحجّاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا به عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربّصون بهم لسلب أمتعتهم، وكان الحاج يقتل لسلب ما معه من المال قليلا أو كثيرا.
ويقول بيرتون في رحلته إلى مكة: في أحد الأماكن رأيت “حاجا” لا يستطيع النطق بكلمة عربية واحدة، يتجادل بعنف مع عربي لا يستطيع أن يفهم كلمة واحدة من كلامه، والحاج يُصرّ على تحميل الجمل -بالإضافة لحمله- بضعة أعواد من الحطب لاستخدامها كوقود للطبخ، ويقوم الجمّال بقذفها تخلصا من الحمل الزائد، فيتعاركان بعنف، ويدفع أحدهما الآخر، وأخيرا وجّه الحاجّ لطمة قوية للعربي، و بعد ذلك طُعن الحاجّ بخنجر فشُقّ بطنه، ولما سألت عن مصيره، علمتُ أنه كُفّن ودُفن في قبر لم يُحفر جيدا.
ولنختم تلك الصور البائسة فلا يتسع المقام منها لأكثر، ولكن إليكم هذه الفتوى التي تحمل وراءها ما تحمله؛ فلقد أفتى بعض العلماء قديما بإسقاط الحج عن الناس لتعذره وخطورته على حياتهم.
وأما الصورة الثانية التي يستعرضها هذا المقال فهي صورة اليوم: الحج 2026م؛ فهي صورة الأمن والأمان، واليسر والراحة والسهولة، والخشوع والإيمان وتفرغ الحجاج للذكر والعبادة، صورة الرحلات المطمئنة، ووفرة الطعام والشراب، صورة الجو البارد الذي ينعم به الحجاج عبر أجهزة التكييف ووسائله المختلفة والمتنوعة في المناطق المغلقة والمفتوحة على حد سواء، صورة سلسلة من الإجراءات التقنية الدقيقة التي تحفظ الحقوق في وقت قياسي لا يكاد الحاج يشعر بها، ولكنها ترصد وتؤمن مسيرة الحاج من خروجه من بلده إلى عودته سالما بإذن الله، صورة رفاه المطارات والقطارات والحافلات لتنقلات الحجاج، وخطة تفويج الحجاج المحكمة، صورة المباني الفارهة والخيام المكيفة المقاومة للحريق والمجهزة بكل وسائل خدمة الحاج وراحته، صورة الرعاية الصحية والمستشفيات الميدانية.
إن ما ذكرته هنا ليس إلا غيضا من فيض من نجاح موسم الحج لهذا العام، وسيكتب التاريخ أن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين -حفظهما الله- يقومان على رأس هذا النجاح إشرافا وتوجيها ومتابعة فلهما علينا الشكر والثناء و الدعاء، و سيكتب التاريخ للشعب السعودي مسؤولين وعامة أنهم تكاتفوا وتعاونوا لاستضافة الحجاج في موسم من أنجح مواسم الحج، فجزاهم الله جميعا خير الجزاء.
0





