كثر الحديث في الأيام الماضية عن تزامن مباريات كأس العالم مع اختبارات نهاية العام الدراسي، حتى بدا وكأن المجتمع أمام معضلة مستحيلة الحل، وكأن الطالب مطالب إما بترك الدراسة من أجل الكرة أو هجر متابعة البطولة من أجل الاختبارات. الحقيقة أن الأمر أبسط من ذلك بكثير إذا تعاملنا معه بقدر من الواقعية. فالطالب في الأيام العادية لا يقضي أربعاً وعشرين ساعة في المذاكرة، بل تتوزع ساعات يومه بين الدراسة والراحة والنوم ومتابعة وسائل التواصل والجلوس مع الأصدقاء ومشاهدة البرامج المختلفة. وإذا كانت إدارة الوقت مطلوبة في الظروف العادية، فهي أكثر أهمية في فترة الاختبارات، سواء تزامنت مع كأس العالم أم مع أي مناسبة أخرى.
كما أن متابعة البطولة لا تعني بالضرورة مشاهدة جميع المباريات. فكثير من المشجعين حول العالم ينتقون المباريات التي تهمهم، ويتابعون ملخصات المباريات الأخرى ونتائجها. بل إن أغلب المباريات لا تتجاوز تسعين دقيقة، وهي مدة يمكن استيعابها ضمن جدول يومي منظم دون أن تتحول إلى عائق أمام التحصيل الدراسي. ومن المبالغة أن يصل النقاش أحياناً إلى المطالبة بتقديم الاختبارات أو تأجيلها بسبب البطولة، وكأن المؤسسات التعليمية مطالبة بإعادة ترتيب جداولها من أجل حدث رياضي مؤقت. الاختبارات جزء من منظومة تعليمية مرتبطة بخطط زمنية وأكاديمية واسعة لا يمكن تعديلها كلما تزامنت مع مناسبة أو فعالية جماهيرية.
والأكثر غرابة أن تبادر بعض الجهات إلى تأخير بداية الدوام لموظفيها من أجل تمكينهم من متابعة مباراة أو أكثر. فالأصل أن يكون العمل والدراسة هما الثابت، وأن يتكيف الأفراد مع المناسبات المختلفة، لا أن تتكيف المؤسسات كلها مع مباراة مهما بلغت أهميتها. إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أبنائنا ليست منعهم من متابعة الرياضة، بل تعليمهم مهارة الموازنة بين الواجب والمتعة، وبين المسؤولية والرغبة الشخصية. فالحياة كلها قائمة على هذا التوازن، ولن تكون كأس العالم أول مناسبة تتطلب إدارة الوقت، ولن تكون الأخيرة. ولهذا فإن الحل ليس في إلغاء بطولة عالمية، ولا في تأجيل اختبارات، وإنما في قدر من الانضباط الشخصي والوعي الأسري، فهما القادران على جعل الدراسة تسير في مسارها الطبيعي، والاستمتاع بالمباريات في الوقت نفسه دون تهويل أو تضخيم.





