من كنوز بلادنا. ما أعلنت هيئة التراث في عضون الاسابيع الماضية من اكتشاف نقش إسلامي مبكر في محافظة المهد بمنطقة المدينة المنورة، ضمن سلسلة من المكتشفات الأثرية التي شملت نقوشاً إسلامية وثمودية ورسومات صخرية ومنشآت حجرية تعود إلى فترات تاريخية متعددة. وقد استأثر هذا النقش باهتمام الباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي، لأنه يتضمن ذكر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعبارة: «الله ولي عمر بن الخطاب في الدنيا والآخرة».
وقد أعاد هذا الاكتشاف إلى الأذهان واحداً من أشهر النقوش الإسلامية المبكرة، وهو «نقش زهير»، الذي يعود إلى سنة 24 للهجرة، وجاء فيه: «أنا زهير كتبت زمن توفي عمر سنة أربع وعشرين». ويعد هذا النقش من أقدم الشواهد الكتابية الإسلامية المؤرخة، كما اكتسب أهمية علمية عالمية جعلته ضمن الوثائق المسجلة في برنامج ذاكرة العالم التابع لمنظمة اليونسكو.
وهنا تبرز أهمية المقارنة بين هذين النقشين؛ فكلاهما ارتبط بشخصية عمر بن الخطاب، غير أن كلاً منهما يقدم لنا وجهاً مختلفاً من وجوه التاريخ.
تكشف المخلفات الأثرية عادة عن حياة الإنسان المادية؛ عن مساكنه وأدواته ووسائل عيشه وتنقله. أما النقوش فتختلف عن غيرها من الآثار؛ لأنها لا تنقل إلينا ما صنعته يد الإنسان فحسب، بل ما اختزنته نفسه أيضاً. فمن خلال كلمات قليلة محفورة على صخرة نستطيع أن نتعرف على عقيدته ومشاعره ونظرته إلى الأشخاص والأحداث.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الفرق بين نقش زهير ونقش المهد. فنقش زهير سجل حدثاً تاريخياً مجرداً، هو وفاة عمر بن الخطاب سنة أربع وعشرين للهجرة. لم يزد كاتبه على توثيق الواقعة، فجاء النص مقتضباً ومباشراً، أشبه بما يمكن أن نسميه اليوم خبراً تاريخياً عاجلاً نُقش على الحجر.
أما نقش المهد فيختلف في طبيعته ومضمونه؛ إذ لا يوثق حدثاً بعينه، وإنما يعبر عن موقف وجداني تجاه شخصية عمر بن الخطاب. فصاحبه لم يذكر عمر بوصفه خليفة أو قائداً أو فاتحاً، بل دعا له بولاية الله في الدنيا والآخرة. وهنا ينتقل النص من تسجيل الوقائع إلى التعبير عن المشاعر، ومن رصد الحدث إلى الكشف عن أثره في النفوس.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا النقش لا تكمن في ذكر اسم عمر بن الخطاب فحسب، بل في كونه شاهداً على المكانة التي احتلها في وجدان المسلمين الأوائل. فالمؤرخون يخبروننا كيف حكم عمر، وكيف اتسعت الدولة في عهده، وكيف عُرف بالعدل والحزم، أما هذا النقش فيخبرنا كيف نظر إليه إنسان عادي رأى أن يخلد تقديره له على صفحة من الحجر.
وتكتسب هذه الدلالة أهمية أكبر إذا وضعناها في سياق الاكتشافات الأثرية الأخيرة في المهد، والتي ضمت أيضاً نقوشاً ثمودية تعود إلى عصور ما قبل الإسلام. فهذه النقوش المتعاقبة تمثل طبقات متراكمة من الذاكرة الإنسانية؛ من نقوش سجلت حضور الإنسان العربي القديم، إلى نقوش حملت العقيدة الإسلامية في مراحلها المبكرة. وكأن الصخور نفسها تحولت إلى أرشيف مفتوح يحفظ تحولات المجتمع والثقافة عبر القرون.
إن المقارنة بين نقش زهير ونقش المهد تكشف جانباً مهماً من وظيفة النقوش في كتابة التاريخ. فبعضها يحفظ لنا الأحداث، وبعضها يحفظ لنا المشاعر، وكلاهما ضروري لفهم الماضي. فالتاريخ لا يتكون من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي استقبل بها الناس تلك الوقائع وتفاعلوا معها.
ولهذا يمكن القول إن نقش زهير حفظ لعمر بن الخطاب تاريخ رحيله، بينما حفظ نقش المهد مكانته بعد رحيله؛ فالأول وثّق الحدث، والثاني وثّق الأثر، وبين الحدث والأثر تتجلى إحدى أجمل وظائف النقوش الأثرية: أن تجعل الحجر ينطق بما عجز الزمن عن محوه.




